مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 انظر إلى قلبي.

.بقلم : سها جلال جودت

 

رابطة أديبات الإمارات

http://www.alrabetta.ae

         جلست والدمع في عينيها يترقرق على الخدين مثل خيوط ماسية تشع شوقاً منادياً وحنيناً مفتقداً وروحها تذكر ما قالته حين أعلنت مواجهة المصير وحدها:
- دعنا نعدْ ، أو أعود وحدي.
كان لصوت الشكوى والرجاء نغم أغنية لم يكتمل لحنها،لأنه كان متشبثاً برأيه، رافضاً فكرة العودة، وعقدة حاجبيه النافرة تلون الصمت البارد بأحجية يصعب فك طلسمها، رأيه يخالف نداء القلب ويعارضه، تحدده هذه المسافات الطويلة التي اختارها، لكنها تلح، تصر على الرجوع.
وهي تتأمل الصورة بابتسامتها الودود خاطبته مرة أخرى : الليلة ليلة وقفة العيد وصوت التكبير يعلو من المآذن، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ألن تعود ؟ أما زلت مصراً على البقاء هناك؟!. وتسأل السحاب أن يحزم نداء الشوق والحنين، أن يقرع بابه المغلق عله يصحو من غفوته الواهمة، فيرسم الذكريات الجميلة، لتسبح في أغصان قلبه المتيبسة دماء شرقية، بح صوتها من النداء، جرحتها الغصة الجاثمة على شجر الروح، بددت فرحها وغبطتها بلقاء من جاءت لأجلهم هذه الجبال البعيدة التي تفصلها عنه، هذه النظرة العميقة في السماء، هذه الأحزان المتراكمة من وجودها بين أناس لا يعرفون ما معنى يوم النحر ! وجوههم صفراء باهتة، خيوط الدم مستباحة على الطرقات وعند رصيف الجامع الوحيد وقد خلعوا ملابسهم فبانت عورة أجسامهم وهم يمارسون القبلات الرخيصة!
- دعنا نعدْ.
ترى الصمت في وجهه مثل مغلف فارغ !
- ألن تشتاق إليّ ؟
يعاودها القلق والتوتر والانفعال كلما حاولت النوم، نقشت على جدار قلبها حروف اللوعة والغربة ووجع الخوف والقلق والكوابيس والشرود، تتقلب على فراشها، يهصرها ذلك الشوق وهذا التوق إلى صدره الدافئ وكلماته الحنون، فتتمنى أن يكون بقربها يشاركها همومها ويعزيها وينسيها خوفها، وبوحها عن الكثير من الأشياء في تحقيق الخطوة الأولى، الخطوة التي تركت من أجلها كل شيء خلف ظهرها وجاءت كي تستعد لبنائها من جديد .
-كيف ليلك من دوني ؟
تسأل نجوم الليل وتنظر إلى القمر فتشعر كأنها تراه أول مرة، كأنه لوحة لفنان ماهر أتقن رسم لجينه في هذه العتمة الساحرة، فتتمتم في حسرة مشوبة بالحزن: الليل هنا يختلف عن الليل هناك، وتبتلع الغصة.
يمر الليل صعباً قاسياً مدلهماً، تعود إلى الخوف من الظلام، تجرحها هذه المسافات، تستوطن عقلها الذكريات، فتسأله: لماذا لا تكون مثلي قوياً وشجاعاً وقادراً على اتخاذ القرار الذي يحسم حياة كل الأشياء البليدة التي تعشش هناك وما زالت منغرسة في ضفاف الذاكرة؟
- دعنا نعدْ.
- كيف أعود وما جمعته لا يلملم أشلاء رجوعي !
لحنينك وقع في قلبي كما الموسيقا، لعصبيتك وغضبتك أداء أوبرا أحتويها بكل توقي وأنا أوزع شموس فرحي وحزني بين قبولك ورفضك.
بين ربوع هذه المدينة التي أصبحت مزدحمة مسقط رأسها، طفولتها الذهبية، وطفولتها تلك أعادتها إلى الخالات والعمات والأعمام والأخوال، سهرات تجمعهم في كل مناسبة ليزداد التحامهم وودهم وشوقهم ، تطلق الضحكات فتبحث عن رنين ضحكته في هدوئها المميت، فتغمغم في منأى عن الجميع: بارد كثلج هذه المدينة التي أخذتك مني .
حققت إصرارها في ترك الغربة بعد أن حملت في جعبتها صورته وحديثه عن المستقبل،هنا تكتبها قصيدة الجذور رمز مهاجرةٍ لم تعجبها الحياة هناك، لهذا عادت حاملة في صدرها القهر من اغتصاب الابتسامة، مظلمة الحياة من دونه، تسير في الشوارع العتيقة والأزقة الضيقة مترنمة بهواء الأمان، تسترجع في ذاكرتها كيف عاشت مخاض الوجع من هذه الصورة القذرة التي كادت تحطمها !
- دعنا نعدْ.
ينزوي في غرفته وحيداً يلتهم الغضب.
في تلك الليلة التي غرست أوتاد الرعب والهلع وغبار الصراخ في روحها وعقلها هاجمها سكير وضيع، فتعود لسؤاله: أما زلت مصراً على البقاء؟ أتذكر هذه الليلة الهائجة ؟ الليلة التي كادت تقتل من لم يأتها المخاض بعد ؟ سألني بصوته الأجش وهو يخور مثل ثور فقد جمال كل الألوان : هل أنت صبي؟ أجبته والخوف يمزق أوصالي :
- نعم أنا صبي!
أنكرت أنوثتي، الرجل لم يكن بمقدوره أن يميز بين الأنوثة والذكورة لأنني كنت ألبس ملابس الصبيان وأضع تلك الربطة التي اعتاد شبابهم على عصب رؤوسهم بها، هذه الربطة مع هذا القميص المرتخي فوق بنطالي جعلاني أبدو له ذكراً، وأنا أريد أن أكون أنثى لها مشاعرها الخاصة، تحب، تتألم، تشتاق، تمشي بمفردها من دون خوف في ظلام الليل الداجي.
وسمعت صوته، فنأيت عن المكان!
عند مدينة أجراس الدول، قرعت جرس وطني، صوته تردد في أعماقي منادياً فأجبته في غيبة عنك : لبيك النداء .
حاول الرجل السكير أن يعتدي عليّ، وأمام تمثيلي لدور الذكر اكتفى بسرقة السوار الذهبي الذي قدمته لي في يوم عيد ميلادي.
وكنت غائباً تزور صديقك الأردني في الجبل تعقدان صفقة جديدة، وكان الماء مقطوعاً، العطش صعب، فقررت النزول من أجل الحصول على الماء، كان مخزن العمارة مقفلاً، فاضطررت إلى الذهاب بعيداً لملء الوعاء البلاستيكي الذي حملته، تصور كيف كنت أمشي والخوف يحيط بي، يحاصرني، فأستعد للدفاع، يد تمسك بالوعاء، وأخرى متهيبة لرد الهجوم المباغت، أي حرية تلك التي كنا نعيشها بين أنياب وحوش تعيش وسط المدينة !
الخير والشر موجودان في كل مكان حتى بين الأسماك، الكبير منها يأكل الصغير، وفي الغابة القوي يفترس الضعيف، لكننا بشر يحكمنا عقل يبتكر في كل يوم شيئاً جديداً، تقنيات الحضارة هي من اختراع الإنسان، هل وجدت يوماً حيواناً اخترع آلة؟
الجبال والوهاد، والمغاور والكهوف هي أمكنة أوجدتها طبيعة الحياة ليستقر الحيوان فيها، ونحن بفكر وعمل عقل الإنسان استطعنا أن نتجاوز حياة الإنسان البدائي ونصنع المدن والجسور ونحمي أراضينا بإقامة السدود عند ضفاف الأنهار حيث يكثر تجمع المياه،أترى الفرق الشاسع الكبير بيننا وبين من لا ينطقون؟ أسطورة طرزان فتى الأدغال تراودني كلما سمعت عن حالة اعتداء أو جريمة قتل! النمور التي امتازت بشراستها ونهمها لأكل لحوم البشر تحتوي بغريزة حنان الأمومة طفلاً بشرياً، يترعرع بين أحضانها ليصبح سيدهم، إذا صاح التمت النمور والفهود والقرود والفيلة وكل حيوان ألف وجهه فيما بينهم من حوله لتساعده في القضاء على المجرمين الذين يحاولون أن يرتكبوا جريمة بحق حيوان أو إنسان .
فتى الأدغال لم يدخل المدينة، رفض أن يتخلى عن منبع الحنان، وأنا مثله أرفض أن أعيش بعيدة عن مصادر الدفء والطمأنينة، أرفض أن أكون طعماً رخيصاً لسكير يراوده عقله المسلوب في الاعتداء على الوجوه المطمئنة!
أيها الشوق الغائب عد، اكسر شوك البعد وجبروت المهاجر برجوع أبدي من أجل شوقي ونار وحدتي، ما وجدته في مسقط رأسي أوغل الحزن في قلبي، زاد من ألمي، هذا الزحام، هذا الزحف الريفي، أفسد بهجة الشوارع، ضاعت نظافة المدينة بين أقدام الوافدين، امتدت البيوت تغطي جميع الأطراف، كأني أرى تداخلاً بين عمران المدينة وعمران الريف، ما عادت المساحات الزراعية تحيط بسوارها الجميل، ورغم هذا الضغط أشعر بالدفء يغطيني، بالوجوه تحميني، بصنبور الماء يروي ظمئي من دون خوف، أدخل الحمام فأخرج منتعشة، متوردة الخدين، لطعم الليمون وهواء الوطن مذاق حقيقي، صدري الآن يمتلأ من أنسامه العليلة، والغصة في داخلي تحرق بريق كل الأشياء الجميلة المحيطة بي لأنك لست بقربي، بجانبي، تركت قلبي معك وعدت، تركت ذكرياتي الحزينة في كتاب أسميته أنت مذكرات، وفي الحقيقة هي رحلة عذاب وحرمان وإحساس بالوحدة المظلمة القاهرة لكل رفة قلب، ألا تسمع حريق الشوق يصيح من أعماق الروح، ردَّ روحي، نبضي الذي يجعلني سعيدة، وحين سألتك في رسالة على الجوال:
- والدي لماذا لا ترد على رسائلي ؟
جاءني الجواب مثل سكين ثقبت جدار القلب:
أكتب لك في كل يوم قصائد من حنين، لكنني لا أجرؤ على إرسالها، أحذفها فوراً .
زادت دموعها تدفقاً، أصبحت مثل مطر غزير، يبلل الشجر والسطوح والشوارع وكل الباحثين عن وجوه الغائبين، عن وجوه المهاجرين، تتلبد أوصالها فتحس بالبرد، فتتمنى في اللحظة تلك أن يكون بقربها، ترى وجهه المتجهم الغاضب وهو يهاجم إرادتها وتصميمها على العودة .
أعلنت الولاء والرضوخ منذ أن سمعت بصوته!عند مدينة الأجراس ازداد نبض قلبها فرحاً، حزناً، لم تستطع أن تحدد أيهما كان؟ وأيهما سيكون؟ شيء ما كان يطرق في داخلها ناقوسه، ناقوس جرس الوطن، لقد كان أكبر من حب كل الأشياء، ضغطت على حروف الشوق وأقفلت باب مشاعرها كي لا تهزمها فتبقى بقربه هناك تذيقها مرآة الذاكرة آلاف السياط، شمس الوطن ساطعة وشجر الأرض ظليل وطيور السماء جميلة تبدع في رقصها وزقزقتها أجمل ألحان العشاق فهل تعود إلى ظلام الوحدة والخوف والتردد من المسير وحيدة من دون وجود"كابي" الكلب الذي أصبح يرافقها مثل ظل.
بدأت تبحث عن ذكريات جديدة، موسيقا تزرع الفرح كما يزرع الفلاح الأرض لتنبت خيراً وعطاءً وتزين الطبيعة بخضرتها الموارة بالحياة، لكنها ما تزال زائغة العينين تبحث عنه، ليكون لوجودها طعم الأشياء التي كانت تفتقدها.
عادت لحديثها معه:
انظر إلى قلبي، افتحه وراقب نبضه. ذبحت أضحية على روح جدي وجدتي، ظل قلب الخروف ينبض، مضت ساعات وهو ما يزال ينبض، فتخيلت قلبي الذي كان يعيش هناك، رغم الموت الذي كنت أعيشه كان ينبض والآن أتحسس دقاته، أراها تسأل عنك وعن أمي، لحياة مسقط الرأس نغم آخر، لحن وجدته في ذاتي لكنه ناقص، متى يكتمل اللحن ؟
على مائدة الطعام أول يوم العيد كانت الغصة تنتصر على سحابات من الدموع جعلتها المشتاقة لحناً حزيناً يختفي في أوردة القلب فيتدفق الدم ساخناً وهو ما يزال يبحث عن وجه من ظل معانداً تصحبه زوجة راضخة وهي تشارك ابنتها في السؤال نفسه بإلحاح شديدٍ!