أدب

صفحات خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

أنشودة الحداد

تأليف :جيمس تاتوم

عرض ومناقشة: رشا المالح*

هل الحرب سيدة الجميع حقاً؟

     لا يهم في أي زمان أو مكان قامت الحروب، فالقاسم المشترك بينها دائما وأبدا هو الاهتمام بتخليد ذكرى الموتى. وكذلك الأمر بالنسبة لجميع الفنون التي ترتبط بدايتها بالحروب وتنتهي بالرثاء والذكرى. وفي كتاب «أنشودة الحداد»، يقدم المؤلف جيمس تاتوم، استاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة دارتموث بالولايات المتحدة، عرضا لقصائد الرثاء من الجانبين الأدبي والواقعي المعاش الذي يشمل جغرافية المكان والجسد.

والمبنية على نداء الحرب، ابتداء من صرح مقاتلي فيتنام إلى كتابات ستيفن كرين، وإدموند ويلسون، وباو نينه وغيرهم. ومحور كتاب «أنشودة الحداد» هو الإلياذه، ليس بصفتها من أولى قصائد الحروب فقط، بل لكونها من أهم وأقوى الأمثلة لمشاركة القصيدة وتأثيرها في تقديم العزاء لذوي المفقودين في الحرب. وهذا الكتاب الصادر عن دار نشر جامعة شيكاغو في 2003 ويضم 215 صفحة من القطع المتوسط، ويخاطب كل من يهتم بأدب الحروب ابتداء من الأعمال الكلاسيكية التاريخية وانتهاء بالطروحات المعاصرة.

ويكشف المؤلف من خلال استعراض مقاطع من الإلياذة بالتوازي مع الأعمال الأدبية اللاحقة المستمدة من الحرب، عن بنية أشكال وتدرج التحول الفني من الرثاء إلى تخليد الذكرى. وهو من خلال ذلك العرض يؤكد أهمية العديد من النقاط التي تتلخص في البنود التالية: دور الذكرى وأهمية بعد المسافة الزمنية عن الحرب، ثم الصنعة الفنية للحرب التي تلهب المخيلة، ومن بعدها العلاقة الحميمة بين الحرب والحب وتأثيراتها على الجنود الذين يخوضون غمار المعركة، وأخيرا فكرة تخليد الذكرى بحد ذاتها.

ولأن جميع الأحياء أو الناجين من الحرب يعانون من الفقدان بسببها، فإن مؤلف الكتاب يتحدث عن قصص الضحايا والأبطال، القادة والجنود، النساء والرجال، والصور الفوتوغرافية التي خلدت ذكرى حروب عديدة، مثل حرب فيتنام وفرنسا والولايات المتحدة، حيث تم توثيقها بصورة معبرة ومؤثرة.

يتحدث المؤلف في مقدمة الكتاب عن الراثين وصروح الشهداء، ويبين كيف أن الإلياذة تتحدث عن الطريقة التي شنت فيها الحرب، وذلك لأن السبيل الوحيد أمام الإنسان لتقبل فكرة الحرب هو إيجاد مبرر منطقي لها، وهو ما وصف هيجل في اطاره الحرب بأنها سيدة الجميع.

ولابد لدى قراءة هوميروس والفنون المرتبطة بالحرب من التفكير بالماضي وبشعور الفقدان.

والخطوة الأولى لإضفاء معنى على هذا النوع من الفقدان هو الحداد على الموتى، كما ان الشجاعة والرثاء من أهم الامور التي ندركها في الحياة عاجلا أم آجلا. ونفهم معناها بصورة عميقة من خلال الحروب.

والإلياذة تشمل الموت والرثاء والحداد والتخلي، فالأنشودة التي نقدمها هي العزاء الوحيد المحتمل. وقد وجد هوميروس روائع في الحروب، التي بدورها أوجدت روائع القصائد. التفكير مع هوميروس بشأن الحرب يعني تعلم المقارنة والقدرة على الدمج ويأتي ذلك بطريقة عفوية توسع مخيلتنا إلى حد يتجاوز الإلياذة إلى حروب وقصائد أخرى.

فإن كان البطل الإغريقي «أخيل في فيتنام» كما ورد في كتاب المؤلف المعادي للحروب جوناثان شاي الطبيب النفسي، فهو موجود أيضا في أوكيناوا، وباتاري والسوم وهيروشيما. وهذا يدفع لتقصي الرابط بين حرب طروادة والحروب اللاحقة التي استلهمت من قصيدة الإلياذة. فأموات حرب طروادة ظهروا في بداية القصيدة ، وهم ليسوا ببعيدين عنا، واسترشادا بكل مفصل ومنعطف في القصيدة يبدأ هذا الكتاب وينتهي.

إن الرثاء وتخليد الذكرى يعدان من الاهتمامات الرئيسية في أزمنتنا، وكوننا عالقين بين جيل ما بعد الحرب وجيل ما قبل الحرب، أو بالأحرى جيل الحرب، فإننا نفكر في الغروب من خلال الراثين وصروح الشهداء أسوة بالعصور القديمة. إن عصب الذكرى هو نقطة الرحيل لأناشيد أو قصائد الرثاء. وأكثر المراثي تأثيرا هي القصائد التي أبدعت من خلال ملهمات الشعر.

والكلمة التالية من الإلياذة هي لثيا، الآلهة التي قادها هوميروس لغناء غضبة أخيل ، إلا أنها وأختها الملهمة ميوزس، قد أهملتا من قبل دارسي الإلياذة لزمن طويل. ويؤكد المؤلف بأن ملهمات الشعر هن في الواقع الإلهام الحقيقي لهؤلاء الذين يتبعون مسار المراثي من خلال القصائد.

وبقراءة تاريخية تبدو الإلياذة نموذجا مثاليا للحرب لكونها تشمل كل شيء يرتبط بالحرب سواء على الصعيد النفسي أو الوجودي أو الجغرافي. ويعد الجمع أو الدمج فيما بينها من أهم مؤثرات القصيدة قوة. وبموت كل من باتروكلوس وهكتور والصراع على حق استعادة جثة الأخير وإجراء مراسم الجنازة ودنو أخيل من الموت وسقوط الطروادة تنتهي قصة الإلياذة، إلا أن تلك القصيدة تبقى خالدة على مر الزمن.

الراثون والذكرى

إن الهدف من تخليد الذكرى هو إعادة الأموات والماضي الزائل إلى الحاضر المعاش. وصرح قتلى الحرب هو آخر شيء يعرف عن الحرب عادة، ويتم بناؤه بعد فقدان عدد من الأحياء. وعليه فإنه لدى اعتماد قصة الإلياذة، فإن حقوق الدفن والجنازة ربما تكون أول شيء علينا التفكير فيه.

والانتقال من زمن خطر الحرب إلى زمن آخر من خلال دمج الماضي بالحاضر والمستقبل واختلاطهما، يؤدي إلى وصولنا لبعد اللحظة، هذا البعد الذي يقدم للإلياذة بعضا من أهم سطورها إلهاما.

ويصف المؤلف في الجزء الأول صرح قتلى حرب فيتنام، حيث حفرت أسماء المحاربين الشهداء على جدار ضخم، يبدو متواضعا قبل الاقتراب منه. ويكمن تأثيره على الزائر من خلال العدد الهائل من الأسماء المنقوشة على طول مساحة الجدار. ويوضح المؤلف أنه قبل استعراض المراثي، علينا كقراء وعلى الصعيد الداخلي، تقبل فكرة موت الأحباء، سيما وأن الحضارات الحديثة لا تضمها إلى مفاهيمها ولا تتطرق إليها كجزء أساسي من حياتنا.

وعليه فإن مفهومي الحزن والحداد على المفقودين كانا مقبولين وجزءا من الحضارات البدائية والقديمة، إلا أن الأزمنة الحديثة عملت على تغييبهما من قاموسها الحياتي. وبذا فإن فكرة تخليد الذكرى، هي هدف يحثنا على تقبل الموت حيث علينا تقبل الفقدان لنتمكن من التغلب عليه.

ومن البديهي أن ألم الفقدان سيبقى معنا دائما، وسيؤلمنا باستمرار، ولكن علينا تقبل فكرة الموت لمتابعة حياتنا. عندها نتساءل ما الذي سيعيد ذكرى الفقيد فإن وضع صورة معينة أو عمل نحتي واقعي يبقى انعكاسا فرديا لتلك المرحلة.

إن البحث عن شيء يمكن لجميع الناس التواصل معه على الصعيد الشخصي هو تخليد الذكرى. وهكذا فإن فكرة استخدام الأسماء تعيد جميع الذكريات الخاصة بفقيد ما، حيث يتم الابتعاد عن التجريد إلى الخصوصية.

وفي قصيدة الإلياذة، فإن أندروماكي ترثي زوجها القتيل هكتور، وتقول كل ما يمكن قوله في صوتها: وبذراعيها البضتين تقود أندروماكي أنشودة الأحزان وهي تهدهد رأس هكتور بين ذراعيها آه يا زوجي!

سلبت حياتك وأنت في أوج شبابك.

لقد ذهبت من الحياة وتركتني ياهكتور المقدام

أرملة في بيتك والولد في حضني رضيع،

التعيس ابني وابنك، أخشى ألا يبلغ مبلغ الرجال،

سيجتاحون المدينة وتنقلب أسوارها رأسا على عقب،

ذهب المدافع عنا والسبايا سيذهبن إلى السفن الجوفاء.

وما يفعله هوميروس هنا هو إبراز نتائج القصة، وشد السامعين إلى قلب الأحداث التي يعرفون قصتها. وهكذا الحال مع الأسماء المنقوشة على الجدار الرخامي الأسود الذي يضم اسماء قتلى الحرب من عام 1959 وحتى عام 1975. وحينما يصل الزائر إلى منتصف الجدار يشعر بأنه يعايش أسوأ مراحل أو لحظات تلك الحرب حيث يجد نفسه في زاوية 125 درجة.

إن تواتر أسماء قتلى الحرب الأميركيين الأوائل والأخيرين يبدو مثل حلقة موضوع قصيدة مدورة، تبدأ من نقطة بعينها وتذهب بعيدا في السرد إلا أنها تعود إلى النقطة ذاتها.

وفي الإلياذة يقول صديق الطرواديين جلاسيوس في بداية خطابه إلى الإغريقي ديوميدي:

يا سمو القلب الرفيع لابن تيديوس، لماذا تسأل عن جيلي؟

فهو مثل جيل أوراق الشجر، وكذلك الإنسانية

فالرياح تبعثر الأوراق على الأرض، والحياة ترتعد،

غير أن الأغصان تنتج أوراقا جديدة مع موسم الربيع،

وهكذا، فإن جيلا جديدا من الرجال سيأتي حين يموت جيل آخر.

وينهي جلاسيوس أبياته لاحقا بقوله:

هكذا هو جيلي، والدم الذي أنشده سيولد منه.

ويعود المؤلف إلى الحاضر وصروح قتلى الحرب التي تترك لدى زائرها حاجة للتأمل في أفكار هادئة عن الموت والحياة، حيث يحتاج الشاعر الزائر إلى قصائد توحيها إليه ربات الشعر.

البعد الفاصل

إن سياق قصيدة الإلياذة يعلن منذ الكلمة الأولى في البيت الأول غضبة أخيل. وتلعب ربات الشعر أو الملهمات في القصائد القديمة دورا أساسيا لا غنى عنه، والأهم من ذلك تخليد الذكرى. وما يتجلى في قصيدة الإلياذة هاجس الذكرى من خلال تتالي الأبيات. إن صروح قتلى الحرب والقصائد أبدعت من خلال وحي الملهمات، بنات زيوس ومنيموسين (الذكرى والتذكر) .

إن تركيز الحديث عن الذكرى كبنية هو بمثابة إعادة اكتشاف الملهمات، التي ترجمت معاني نفسية عميقة من خلال لغة القصيدة وغموضها ودورها المؤثر. ويؤكد المؤلف أن تخليد الذكرى يحتاج إلى مسافة أو بعد زمني، فما يحدثنا عنه هوميروس ليس بيانات مرتبطة بالماضي، بل أحداث صنعت مرحلة تحلق في فضاء ذاكرة يتجاوز زمنها، إذ يصيغها هوميروس في إطار مفاهيم القيم المعاصرة لزمنه.

والذكرى هي شيء يبدأ دائما ولا يتلاشى من تلقاء نفسه، فالتاريخ هو المكان الذي تتناسخ فيه الروح الشعرية، وكما يذكر بروست فإن الماضي يعود بقوة أكبر، فهو تجربة في الذاكرة وليس تجربة قائمة في حد ذاتها.

إن البعد أو المسافة تمكن حتى الذين لم يكن لديهم تجربة مباشرة بالحرب من إبداع أعمال ذات قوة تثير الدهشة، وهذا بالتأكيد أبعد وأعمق من ردة فعل آنية.

ويعطي المؤلف مثالا على ذلك رواية الأديب ستيفن كرين «وسام الشجاعة الأحمر» الذي كان في البداية بعنوان «قصص من الحرب الأهلية الأميركية». ويبين مسار التحول الذي اتبعه كرين لنقل العمل من الفردية إلى الشمولية، وذلك من خلال تحول الواقع إلى خيال والنقل من معالم جغرافية محددة إلى أنماط.

هذا التحول، نقل العمل من بعد الواقعية المحدودة والخصوصية، إلى بعد إنساني يحقق رسالة الأدب سواء الكلاسيكي أو الحديث حيث جسد قضية إنسانية تملك خاصية الأدب وعمومية التجربة التي يمكن أن تتواصل مع أي حدث في أي زمن، مما يمنحها خاصية الأدب الخالد.

ما قام به كرين بعد تدوينه للقصص، تناول القصة الأولى وتعديل الفقرة الثانية التي قدم فيها الشخصية الأولى.

كانت الجملة سابقا «وحينما بدأ جون كونكلين بصياغة مبادئه» وعدلها كرين لتصبح «وحينما بدأ أحد الجنود بصياغة مبادئه»، وهذا يبين تحوله إلى الشمولية. وعلى هذا النسق فقد استعاض عن اسم هنري فليمنيغ، ليحل محله الشاب وصديقه، وذلك ينسحب أيضا على الطبيعة وجغرافية المكان.

التشابه في التناقض

يتطرق المؤلف إلى الصنعة الفنية من خلال نظريات الشعر التي تؤهل الشاعر لبلوغ تخليد الذكرى في عمله الإبداعي من خلال ضرورة امتلاكه لأهم مهارة يفترض بالشاعر امتلاكها، وهي القدرة على التحول. ويبين أرسطو بأن تلك المهارة في الشعر لا يمكن تعلمها، لكونها تعتمد على قدرة رؤية التشابه فيما هو غير متشابه، والتقارب فيما هو غير متقارب.

والإلياذة ومعظم قصائد الحرب هي مثال على هذا الفن الذي لا يمكن اكتسابه بالدراسة أو الممارسة. وخير نموذج على ذلك هو الصورة الفوتوغرافية التي قدمها الفنان السلفادوري ناختوي، وهي تصور مقتل جندي من الجيش خلال محاولة قمعه لتمرد الشعب.

وفي هذه الصورة، حوّل الفنان جسد القتيل إلى أداة تثير الذعر من الحرب حيث أحل محل الرأس جمجمة تطل منها عينان فزعتان. وهذا يتشابه مع ما ورد في وصف الإلياذة وما جرى لجسد باتروكلوس صديق أخيل المقرب:

لكن هكتور، حينما جرد باتروكلوس من مجد السلاح

طعنه بقصد فصل رأسه عن كتفيه

بسلاحه البرونزي الحاد

كي يعطي جثمانه لكلاب طروادة

والقصد من هذين المثالين هو تجريد الإنسان من كرامته والتركيز على عنف الحرب. ويلعب الفنان من خلال الحرب على الاستمرارية بين التدمير ونبض الإبداع. ويرى هذا الجمع بين التناقض في الأعمال الفنية، حيث تتأتى الوحدة من الأضداد، التي يمكن حدوثها فقط في الأعمال الفنية.

فقصيدة الحرب تتحرك باستمرار بين الأدب وبين أوجه التشابه فيما هو غير متشابه في الخيال، وهي فعل ديناميكي، يتحرك من تطرف إلى نقيضه في مساحة تجمع الطرفين.

نساء المحاربين

ما تتصف به الحرب أنها تدمر في لحظة واحد أي شيء يمكن أن يجلبه الحب لحياتنا. فالحب لم يكن بعيدا أبدا عن أفكار رجال المعركة. وعلى الرغم من أن هكتور قد ابتعد منذ زمن عن زوجته أندروماكي، إلا أنه كان لا يزال يراجع فكره وهو خارج سور طروادة فيما اذا كان عليه أن يقاتل أخيل حتى الموت أو التهادن معه.

كان يدرك مسبقاً أن جميع محاولاته لن تثني أخيل عن مواجهته، ولن تشكل أي فرق. والطريقة التي كان يظهر بها خوفه، كانت من خلال رؤيتنا لمدى قرب الحب الرومانسي من فؤاده، إلى جانب صراعه الداخلي بين الحب والكراهية. فكتور يعي وجود هذا الحب لكنه يدرك بأنه لا يمكنه الإصغاء له، شأن أخيل. هذا الصراع الأزلي بين الرغبة في الحرب والرغبة في الحب يظهر جليا في أعمال الكاتب الفيتنامي المعاصر باو نينه في كتابه «أحزان الحرب».

تبدأ القصة، لدى اجتماع الطالبين المحبين كين وفونغ في لقائهما الأخير قبل أن يغادر كين للخدمة في الجيش الفيتنامي الشمالي ضد الأميركيين، إذ يداهمه فجأة الخوف، مما يدفع به إلى إبعاد نفسه عن عناق فونغ. وتدرك فونغ بأن كين خائف من الحب تماما مثل خوفه من الحرب.

تسأله فونغ: أنت خائف أليس كذلك؟ وأنا أيضا خائفة، لكن ذلك يجعلني أكثر اندفاعا فيجيبها فونغ: أعتقد أننا يجب أن لا نقدم على ذلك. أنا ذاهب إلى الحرب، إلى مكان بعيد، (وبتردد يضيف) الأفضل أن لا نفعل ذلك.

تتنهد فونغ وتجيب: حسنا، ربما من المستحيل أن نحظى بما هو متاح لنا الآن.

فيجيب بسرعة: سأعود

فونغ: متى؟ بعد ألف عام من الآن؟ ستكون قد تغيرت وأنا كذلك، وهانوي أيضا وكذلك البحيرة الغربية تلك.

كين: لكن مشاعرنا لن تتغير، وهذا أهم شيء.

تلتزم فونغ الصمت ثم تقول:

- أستطيع أن أرى ما الذي سيحدث. الحرب دمار وكوارث.

- ربما سنعاود البناء.

- أنت ساذج، كان والدك مختلفا ورأى ما هو آت.

يدخل كين المعركة التي سبق ودخلها هكتور وأخيل منذ زمن بعيد، فجميعهم يحاول أو يفكر بالواجب فقط مبعداً حاجته للحب. وما يشترك به كين وهكتور هو أن كليهما لا يستطيع الحب أن يبعدهما عن الحرب. فهما واعيان بأحداث الحاضر والمستقبل، إلا أنهما سلما قيادهما لمتطلبات الحاضر.

وفي الإلياذة فإن الفراق بين هيكتور وزوجته أندروماكي هو ذكرى يحملها كل من هيكتور وقراء هوميروس في جميع المعارك اللاحقة، وليفصل هيكتور نفسه عن زوجته قدر الإمكان، فإن يستخدم دورها في الأعمال المنزلية كذريعة لوضع حد يفصل بينهما، وهو الأمر الذي لا يستطيع كلاهما السيطرة عليه

عودي إذن إلى بيتنا، وتابعي عملك الخاص،

الرقابة والإشراف، وتأكدي من أن خادماتك

يقمن بأعمالهن أيضاً، إذ على الرجال الاهتمام بالقتال.

جميع الرجال الذين هم ناس ليون، وأنا قبل الجميع.

وجدير بالذكر أن المؤلف الإغريقي أرسطوفانيس يتناول أدوار الزوجات ورجالهن باتجاه فونغ ونساء أخريات أكثر تشاؤما وباتجاه قواعد الرجال. فالزوجة ليسيستراتا في ملهاته الكوميدية التي تتحدث عن نهاية حرب البلبونيز في عام 411، حيث يكون مستقبل أثينا مهدداً مثل مستقبل طروادة. وفي ملهاته يعيد صياغة الجزء الخاص بهيكتور والعلاقة بين الرجال والنساء خلال الحرب عبر بطلته ليسيستراتا، التي تعيد النظر بدورها في الرجال الذين يحاولون حكم أثينا، وتبين وجهة نظرها بأن هيكتور مجرد مثال للرجل الأحمق في مواجهة المنطق لدى المرأة.

وفي حين تفصل ليسيستراتا مشاعرها وتميل إلى النقد المنطقي، فإن أندروماكي وفونغ تلعبان غالبا الدور التقليدي لشاهد على الحرب، يرى غالبا ما ستحمله معها وبصورة أوضح مصير الرجل الذي يذهب إليها.

ففونغ ترى أن دافع كين للحرب والموت، هو مبرر تافه لتجنب ممارسة الحب، ولهذا السبب تقرر الانضمام إلى الجيش أيضا. وبما أن كين يهب حياته لسبب ما، تقرر هي أيضا تضييع حياتها. وفونغ في جزء منها أندروماكي الزوجة المستسلمة، إلا أنها تملك الكثير من صفات ليسيستراتا.

فانخراطها في الجيش، مؤشر مهم يدل على تخليها عن دور المرأة المعتاد في الحضارة الفيتنامية. وفي الجيش تضرب فونغ وتغتصب من قبل عصابة من الجنود من أبناء بلدها. وينجو كل من كين وفونغ، إلا أن نجاتهما تمثلت في بقاء الجسد على قيد الحياة حيث مات حبهما منذ زمن. إن مشهد الفراق في «أحزان الحرب»، هو قصة حب سرعان ما تبتر، وقبل أن يدرك المحبان ذلك، وهو نسخة أكثر نضجا من فراق هيكتور وأندروماكي.

وفي هذا الصدد، يبين المؤلف جيمس تاتو ما ذكرته الكاتبة غيرتريد شتين في كتابها «الحروب التي شهدتها» عن الوهم والمشاعر الخاصة بالأبطال، فمثل هيكتور كان روبرت أي لي، مسئولاً مدنياً ذهب إلى الحرب لأن الواجب يملي عليه ذلك.

والأمر المثير للاهتمام أن مسئولي الحكومة يؤمنون بما عليهم أن يؤمنوا به، ولهذا دور كبير في الحروب وقيامها. وتتابع غيرتريد بأنها لطالما تساءلت خلال الفترة من 1938 وحتى 1943، لم يفتقر الرجال إلى الحس المنطقي في محاكمة الأمور؟ لماذا لا يستطيعون إدراك استحالة انتصارهم؟ لماذا لا يتذكرون أن اثنين واثنين تساوي أربعة، وأن الجميع يعرف ذلك باستثناء مسئولي الحكومة الذين يؤمنون بما يتحتم عليهم أن يؤمنوا به.

ومن الطبيعي أن إيمانهم هذا يمكن البلد من التفكير في احتمال انتصارهم، ولذا فهم يذهبون إلى الحرب. ويبين المؤلف شهادة أخرى على ذلك بقول الكاتبة أليس شيلدرز «البطل ليس أكثر من سندويشه، لمن يمكنني القول بأن الإلياذة تصيبني بالملل؟».

وكذلك الأمر مع الكاتبة كريستا وولف من ألمانيا الشرقية التي تعيد النظر فيما كتبه هوميروس، مثلما فعل قبلها يوروبيدس في «الطرواديات»، وذلك من خلال التركيز على النساء والأطفال الذين كانوا ضحية حرب طروادة.

فالبطلة كساندرا تبدأ بالتحول لتأخذ صوت كريستا وولف التي لا يستمع إليها أحد، ليصبح صوت أميرة طروادة التي لم يصدق نبوءاتها أحد.

فوولف تريدنا أن نرى حجم دمار الحرب التي ستقام في مثل مشاهد هوميروس للمعركة، إلا أنها تتناولها من زاوية أخرى حيث تجسد مشاهد المعارك عبر ما يرتكبه البطل من مجازر دموية. وفيما يلي تصف كساندرا أحد مشاهد القتل:

أخيل مجرد قاتل أتى إلى المعبد، ماذا يريد هذا الرجل؟ وما الذي يسعى إليه وهو متمنطق بكافة أسلحته. كنت أدرك هدفه. وحينما ضحك قب شعر رأسي ورأيت في عيني أخي رعبا كبيرا.رميت بنفسي عليه، إلا أنه أزاحني كأنني لست موجودة. بأي دافع كان العدو يتقدم من أخي؟ كقاتل؟ كغاو؟».

تخليد الذكرى

وفيما يتعلق بفكرة تخليد الذكرى، يتحدث المؤلف عن نهاية الإلياذة. فحينما تسقط طروادة أخيرا بسبب خدعة الحصان، فإن الحرب تصل إلى نهايتها. إلا أن هذه النهاية يحتفى بها في القصيدة بصورة فنية وأدبية لا تنتهي مع الحرب.

كانت النهاية بالنسبة لطروادة وشعبها وليس للاغريق، فأمامهم العديد من سنوات التشرد التي تستنهض في داخل المنتصرين الحنين إلى الوطن الذي لن يتمكنوا من العودة إليه، ويتجلى ذلك في قصيدة الأوديسه.

وجدير بالذكر أن هوميروس جعل من موت أخيل وسقوط طروادة نهاية لم تكتمل وذلك بعدم ذكر مصير النساء والأطفال. ويؤخذ حذف هوميروس لهذا الجانب كمؤشر على براعة الشاعر، إذ كان يعلم اين يوقف قصته تماما كما يعلم كيف يبدأ بها. ونهاية الإلياذة تحمل الحكمة في كيفية توقف الحرب وكيفية بدئها.

بدء وتوقف، وليس نهاية وبداية، وليس فوز وخسارة. إن قصص الحروب تعكس الارتباك في الحرب، فوجود فائز يعني بالضرورة وجود خاسر، وإن وجد الفرح بالانتصار فلا بد من وجود الرثاء والخوف في كلا الحالتين. ويكتفي عادة كاتبو القصص بالتوقف في منتصف الأحداث ليركزوا على الذين يرثون فقداهم، سواء كانت النهاية سعيدة أو حزينة، فإن أحدا لا يأبه بالقصة غير المكتملة.

والإلياذة تجسد تلك القفزة من الحرب إلى السلم، من السعي إلى حقوق استعادة جثة هيكتور والقيام بمراسم الدفن. ويأخذ هوميروس القاريء من خلال أناشيد حداد طروادة إلى مرحلة الوعي بالفوضى المتجلية في قصص الحرب ونهايتها، والتي ما زالت تستأثر باهتمام فناني الحداثة.

ويتابع المؤلف بأنه يرى بأن نهاية الإلياذة، تولد مجددا في عمل «ليالي الخريف الطويلة الطويلة» التي كتبها الشاعر الياباني أوجوما هيديو، الذي يلتقط في قصيدته تلك في عام 1935 محنة النساء المسنات الكوريات اللواتي كن من أوائل ضحايا الإمبراطورية اليابانية قبل بدء الحرب العالمية الثانية.

وأسوة بنساء طروادة أصبحن يعانين المهانة والذل على أيدي المحتلين اليابانيين. وتصف القصيدة حادثة منع اليابانيين للكوريين من ارتداء زيهم التقليدي في بلدهم نفسها، حيث باتت كوريا في نظرهم جزءا من الإمبراطورية اليابانية.

عندما تسير النسوة المسنات عبر الضباب

يسمع فجأة صوت حاد مثل صرخة إنسان

ويواجهن مجموعة رجال

فيحاولن الهرب عبر طريق الجبال

إلا أن الرجال يقفون لهن بالمرصاد

اللعنة عليكن أيتها الساقطات

ترتدين الزي الأبيض؟

إذا، انظرن كيف سيتوحل

أنتن عديمات الفائدة

انزعوها عنكن

أو ستصبغ ملابسكن وأنتن ترتدونها!

والنساء المسنات مرتبكات

يركلن بأقدام فتية

ويضربن بقبضات شابة

والرجال الشبان يزدن من قوتها

يطاردونهن، كما تطارد الكلاب الدجاجات الواهنة

يرفعون ريشاتهم

ويرشقوهن بالحبر الأسود

فتلوث مآزرهن البيضاء العريقة

من يقدم على فعل كهذا ؟

وأية نتيجة من إساءة معاملة نساء مسنات

وبصراخ يخدش الآذان تهرب النساء المسنات

إلا أن الرجال لا يمنحوهن الفرصة

وبلا كلل يلوثون أثوابهن الناصعة

وتتلاشى الأصوات المذعورة

وفي لحظة تقاطع

فإن الليل الكوري الهادئ

 سرعان ما يتسع هدوءه أكثر

ويمكن القول أخيرا، بأن هذا الكتاب يفتح أمام القارئ المهتم بموضوعه آفاقا واسعة للتأمل في حياته الحاضرة، فأنشودة الحداد لا تقتصر على الحروب المعنية بمعارك القتال فقط، فهناك الكثير من المعارك غير المعلنة التي نواجهها في حياتنا اليومية، التي تشهد وأد أو موت ولادة العديد من المشروعات النبيلة التي تغيب الربح المادي لصالح التنوير والارتقاء بفكر الإنسان لمواكبة الحضارات المتقدمة.

ومع هذه الانهيارات يعيش أغلبنا حالة الفقدان والرثاء ويملك في أعماقه أكثر من ألف أنشودة حداد ورثاء.

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com