أدب

صفحات خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 

 

 أنـــا و عقــلي

قصة في حلقات

عبد الهادي شلا*

 

 

 ( 1 )

        كثير هذا الكم من الأخبار و الأحداث التي أثقلت على عقلي فما عدت أحتمل استيعاب الكثير منها فمحاولة  الربط بين تفاصيل بعضها ببعض أصبحت شبه مستحيلة لما فيها من تناقضات ومن تكذيب واتهامات ما عدت قادرا على تصديقها أو تكذيبها لذلك فقد قررت في لحظة من التفكر أن أصنع لنفسي حالة من التوازن بين " الوعي واللاوعي " وأن أضع عقلي أمامي على الطاولة .. وأتحاور معه !!؟؟

أي سذاجة هذه التي تملكتني، فالأمر ليس بهذه " البساطة و السذاجة " فلكي أتمكن من ذلك يجب أن استخدم "عقلي" الذي هو أساس " مشكلتي " وأساس معاناتي و وراء لهاثه خلف كل خبر أو حدث .

فكيف لي أن أقتلعه من مكانه الحصين داخل صندوق جمجمتي المصفحة والمغلفة بطبقات السوائل والحواجز الصماء كما لوكان قنبلة ذرية لايمكن السماح لإشعاعاته أن تتسرب وإلا أصابت ودمرت كل ما يصافها ؟

وكيف لي  أن أضعه بكل بساطة أمام عيني وبين يدي على الطاولة ثم أحاوره أو أقاومه وهو خارج نطاق آدميتي وإنسانيتي ؟!

لا جواب على كل هذه الأسئلة بدون الاستعانة بــ "عقلي"  وهو في مكانه وعلى حالة الوعي فيه قبل أن أنفذ هذه الفكرة الجهنمية فلا حل إلا بإرادته وبتصوره وبتقريرة بل و بأوامره التي سأنفذها رغما عني أو برضاي أيضا .

هداني " عقلي ".. بل أهداني حلا .. لربما تقبل الفكرة الجهنمية التي راودتني وأراد مجاراتي إلى أقصى الحدود،هكذا خطر في بالي .

لحظات وتغشتني حالة ما عرفتها من قبل ولكنني أدركت أنني قد انفصلت عن " عقلي " كما ينفصل مكوك الفضاء عن قاعدة الإطلاق ويشق طريقه في الفضاء اللانهائي تتحكم فيه قوى تقنية عالية وتقرر له طريق مساره وبدأت أتأرجح بين الوعي واللا وعي و انهالت الصور تتراكم وتتوالى بشكل مزدحم وأصبح من الصعب الفصل بينها وتمييز كل تفاصيلها بل والأكثر من هذا أن بعض الصور قد انقلبت على غير شكلها الأصلي ولكنني كنت أقدر من ذي قبل على فهمها مما كانت عليه ، ذلك أنني اتعامل معها من حالة " اللاوعي" التي تنسجم مع وضعها الجديد خارج نطاق " العقل الواعي " فظهرت الصورة بكامل جوهرها ومخزوناتها التي كنت أبحث عنها في بعض الحالات فيستعصي علي فهمها وأشعر بأنها أكبر من قدراتي .

من أين أبدأ؟ وهل أزيد من الأسئلة التي تقبل ولا تقبل الإجابة ؟

هل أثير قضايا طرقها ونبش فيها  الكثيرون من هم على شاكلتي – من الذين أرهقهم اللهاث وراء الحدث وتفاصيله- وأعادوا البحث والتنقيب وكلما وصولوا إلى ما يعتقدون أنه نهاية الطريق وجدوه مسدودا بإحكام على مفاصل لا تقبل التغيير إلا بحدوث معجزة ؟

ولكن زمن المعجزات قد ولى!!

أو أصبح لها شكل آخر تمثله " القوة " الجبارة من العلم والتقنيات و الخطط والبدائل لكل قضية وبحجمها الذي يتناسب معها ومع مرحلتها ولذلك إن تحقق شيء وكان أكبر من طاقة الاستيعاب العادية قيل أنه .. معجزة ؟؟!!

مع أن هذا ما كان ليتم إلا بفضل القوة والقدرة على إطلاقها في الوقت الذي يعجز الطرف الضعيف عن مواجهتها أو التصدي لها .. إلا .. بالكلام والشعارات التي انكشف سر جوهرها الفارغ وما عادت تقنع أحدا و كلما اشتدت الضربات واقتربت من الرؤوس والعقول

وهذا ما تسبب في إطلاق هذه السذاجة التي أطلنا الحديث عنها وعن إحتمالاتها وأخذتنا إلى عالم تلازم مع عالمنا الواعي .

انصاع "عقلي" لرغبتي فغادر صندوقه المحكم وأخذ مكانه على الطاولة..أمامي مباشرة،كطفل أخفي خلف براءة طلعته لوحا صلبا من نحاس في إحدى وجهيه وآخر من حرير أبيض غزلته الآلاف من " دود القــَز" ، فقلبته على كل الوجوه وتفحصته كي أجد منفذا رقيقا أدلف منه إلى تضاريسه المعقدة وأرى كل تلك الهواجس والأفكار والمعلومات وحالات الغضب ومساحة السعادة ومراحل حياتي وأصدقائي .. بإختصار أردت أن أرى كل شيء في نفس اللحظة وكيف تتأقلم كل محتويات عقلي المتنافرة والمتوافقة مع بعضها البعض حين تكون الحالة هادئة ، وكيف يسير الحال بينها في حالة الغليان والهيجان والقلق والاضطراب ،.... وكيف ،..وكيف ...إلى مالا نهاية . فوجدت أنها مسألة معقدة وتحتاج إلى صبر، وحيلة.

فرغم إلتصاقي بعقلي الذي هو مستشاري الأول والرئيسي الذي يوجهني وأنفذ أوامــره بعد أن يحسب هو النتائج و حتى بدون حسابها أيضا - إن كانت الإنفعالات الحسية أكثر منه تأججا - بل وكل ما أقوم به من سلوكيات وتصرفات إنما هو تنفيذ لأوامر هذا العقل "القلق" في كل الوجوه .!!

أردت هذا  .. لمجرد رغبة شيطانية تلبستني، رغم يقيني بأن الأمر مرهق ومتعب وأن معرفة أسرارعقلي ليست طريقا ممهدا للسير دون مطبات،وليست طريقا بلا إشارات تتحكم في توجيه السير داخل تضاريسة المتلبدة والمعقدة .

وإن كان كل ما في " عقلي " قد مر من خلالي وأحتفظ ببعض تفاصيله منذ زمن بعيد إلا أن هناك تفاصيل وأشياء كثيرة .. كثيرة جدا قد ضاعت في دهاليز المعارف المتدفقة و الإسقاطات في كل لحظة يقظة  من عمري ولربما في ساعات النوم أيضا حين تتجلى في الحلم كبعض الأحداث الحقيقية فالأحلام في أغلب الظن حالة استرجاع لصور مرت أمامي أو استشعار لما سيأتي لاحقا أو هي مزيج من عدة حالات ناتجة عن تفاعل كل الأحداث اليومية على مدى العمر حين تتجسد وتحمل تفاصيل بعيدة ودقيقة ثم نجدها مرتبطة بتفاصيل جديدة في نفس المكان ولكن في غير الزمان..

حين نظرت إلى " عقلي " نظرة شاملة وعامة وجدت سطحه مليء بخطوط معقدة ومتداخلة وغائرة في عدة مستويات يتخللها ألوان من كل صنف وتغطيه رقائق سليولوزية شفافة كلما حدقت النظر فيها بدت لي من تحتها صور وأشكال غريبة وعجيبة وكلما أردت معرفة كنهها أو طبيعتها وجدت نفسي غير قادر على فعل ذلك ولسبب بسيط جدا،وهو أن عقلي خارج محيط جسدي وما بقي معي غير نفسي ومشاعر قلبي .. بل هو على الطاولة أحدق النظر فيه وما أريد معرفته من اسرار هي في قبضته وهو القادر على أن يسيرني إلى جوهرها وعمقها وطبيعتها ،ولكنه الآن في غير مكانه من جسدي المسلوب - الواقع تحت حالة تلبستني - فقد وضعته بين يدي وقلبته فما وجدت فيه غير الذي سمح لي بمعرفته أو رؤيته،ولكنني ما استسلمت فقد ألححت وأنا أضغط عليه بين يدي فبرزت منه أجزاء كانت مختفية في أغوار تلك الخطوط الملونة فكانت سهول وأودية ضيقة مملوءة بالغرف الصغيرة والدقيقة ولما مددت أصبعي أجسها برزت بعض المعلومات التي تلقيتها منذ زمن بعيد ولكن شكلها مازال ناصعا وكأن حالة من التجديد قد مستها فأمعنت النظر فيها جيدا حتى رأيت صورة أرض واسعة وبحر وسماء أعرفها جيدا فهي مرتع طفولتي وفرح صباي والحب الذي عشش في قلبي شابا !!

فــَـرِحــتُ .. بل طــِـرتُ من الفـَرح وأنا أرى حارتنا القديمة بشوارعها الصغيرة وأزقتها المتعرجة و أترابي من الأطفال ونحن نلعب ونغني ونلون الجدران بشعارات العـودة وأعلام الوطن ... ولكن اللون كان لونا واحدا .. كان اللون أسودا،لأننا  وبكل بساطة .. كنا نكتب ونرسم بالفحم الأسود ...!!

حزنت قليلا،ثم عدت إلى حالتي التي تلبستني فوجدت "عقلي" قد أفلت من قبضتي وانقلب على وجه آخر فكانت مشاعري الصغيرة على شكل كلمات متفرقة الحروف ، ولصغر سني عجزت عن تجميعها وكيفية نطقها فقد كنت صغيرا جدا حين رفرف القلب لتلك الفتاة الصغيرة ذات الضفيريتن ووجهها القمري الخمري اللون .. كان إسمها " رُقـَيـَّة "!!

كانت أول رعشة حب ينتفض لها قلبي !!

من بين التضاريس المعقدة التركيب برزت ملامحي الصغيرة بوجهي البريء الطفولي وقد اصطبغ باللون الأحمر خجلا،وفرحا حين التقت عيناها بعيناي وكدت وكادت تتعثر في مشيتها كعصفورة رفرفت واستقرت على " قرميد " بيت دمشقي عتيق ويدي الصغيرة تلتقطها قبل أن تقع على الأرض .. وتقول: شــُكراً.

كانت أجمل وأكبر شـُكراً سمعتها ..و .. حملتها في مشوار عمري بحـلوه ومـُــره !!!

في خط غائر آخر من خطوط "عقلي" كانت تحمل كراسا وقلما طلبت مني أن أرسم لها حمامة بيضاء ..ما ترددت وصنعت لها رسما لأجمل حمامة بيضاء .. وقـالت:شـُكراً ، فطـِرت فرحا حتى خيل إلي أن كفي قد لامست غيمة صيفية عابرة فتساقطت قطراتها لتبلل جفاف قلبي الصغير..البريء !

في الخط الغائر القريب إمتدت يدها الصغيرة برسم الحمامة ،وقالت: ضعها في قفص !

لما رأت علامة استفهام تكاد تنطلق من بين شفتي،قالت :إن أحببت ذلك !؟

قلت لها:هذه الحمامة خـُلقت كي تبقى طليقة حــُرة .

 ومنذ ذلك الوقت ..إختفت " رُقـَيـَّة " في زحمة الأطفال وما رأيتها إلا هنا في هذا الخط الغائر من خطوط عقلي ... وأنا بين " الوعي " و " اللاوعي " !!

==================

عبد الهادي شلا – فلسطين/كندا

shala14@hotmail.com : البريد الألكتروني

www.shala.ca : المدونة