مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 أمي

قصة قصيرة
بقلم : دلال كامل

المرايا

         ما بأيدينا خلقنا تعساء ، جملة تغلغلت في ذهني وحفظتها على ظهر قلب ..كانت والدتي دوما ترددها ، لم أكن أفقه معناها ، حالها كحال أمور كثيرة ، كانت تستوقفني للحظات ، ولكنها سرعان ما تتبدد ..فعالمي الصغير لم يكن مهيأً لأستيعاب عالم الكبار .
كبرت وأدركت سر اللغز ، أدركت كل الأمور الراسية في مخيلتي ، دخلت عالمهم المثير بكل تناقضاته ، في ذاكرتي مواقف وصور لأشخاص عبروا في حياتي وتركوا بصماتهم محفورة ..لن يمحوها الزمن ، حزنت لأجل والدتي عندما أدركت كنه تلك الجملة ..إنها ملاك الرحمة ، حرمت نفسها من التمتع بمباهج الحياة لأجلنا ..كان بإمكانها أن تتزوج بعد أن توفي والدي وهي في ريعان شبابها .. أن تختار شريك حياتها بنفسها لا أن يفرض عليها كما حصل مع والدي ..آثرتنا على كل شيء ..كانت الأب والأم ..أعطتنا من حنانها ما يفوق حنان كل القلوب .. كانت تكتفي بالقليل وعندما نسألها ببراءة الأطفال : (لما تفعلين ذلك ) كانت تتهرب دوماً.
بمحنتنا هذه.. كان جدي إلى جانبنا .. أب يحنو عليها وعلينا .. يحيطنا بحنانه ..مثل والدتي تماماً ..كان يغمرنا بالهدايا وبأشياء كثيرة ، ويعدنا بالمزيد إن أطعناها .. أما جدتي لم يكن لها دور فعال في حياتنا ..لذلك صورها قاتمة في ذاكرتي .
كبرت أنا وأخي وكبرت فرحة أمي بنا ..تعلقنا ببعض ..كنا كالسلسال ..حلقة تشد أزر حلقة ..وتمر سنواتنا أعياداً ..وتأتي المفارقة على غفلة … أول أيام عيد الأضحى ، خرج أخي على قدميه .. يرتدي ثياب العيد البيضاء ليعود مضرجاً بدمائه ..لقد تلطخ ثوبه بلون أرجواني .. صدمته سيارة كان يقودها رجلاً أعمي بصره من شدة الخمر، وفر هارباً ...حاول أن يتفادها ولكن هيهات ، هيهات ..قدره أن يكون كبشاً في عيد التضحية .
..رحل بصمت دون أن يودعنا ..شمعة انطفأت .. من سيشد أزر من ؟ هو حبيبي وحبيبها ... آلمني إنهيار الجبل الشامخ بقدر ما آلمني رحيله ..
..بكته حتى جفت مآقيها .. حاولت أن أمسح دمعها بدمعي المتدفق كالجداول بداخلي ..كتمت مشاعري من أجل أن تحيا مشاعرها . وما أصعب أن تقتل المشاعر وهي في قمة تأججها !!
انقلبت الأدوار فأصبحت أنا الأم وهي طفلتي المكلومة ..أداويها وأنا بحاجة إلى من يداويني ..أتلقف صرختها بحب وود ، وصرختي مكبوتة مقيدة.. أ ربت على آهاتها وآهاتي جذوة نارمشتعلة ..تلهب أحشائي ..تكويني.

تحملت بصمت كل الآلام ، تماماً كما فعلت هي ، رسمت على شفتاي ابتسامات الرضى التي رسمتها بحياتنا ..وعدت أكرر بيني وبين نفسي عبارتها المعهودة " ما بأيدينا خلقنا تعساء ... لا تقل شئنا فإن الحظ شاء "