بقلم :غيداء الطباع
قراءة نقدية بقلم : جمال السائح
www.postpoems.com/members/jamalalsaieh
و يمكن ملاحظة النص على هذا الرابط :
http://www.postpoems.com/cgi-bin/displaypoem.cgi?pid=469130
................................................................................................
في
البدء احيي لون القلم الذي تسطر به غيداء كتاباتها ، لأنها حين
تكتب تسجل صبغة الاسترسال مع الزمن خوف ان يتسابق فيها كل وجل يمكن ان يعكس
لديها كل صور الحب والالوان ؛ في اغلب كتابات غيداء ثمة حس بالخوف ، الخوف من
كل شيء سوى المعبود
فيشعر المرء حين تجواله في واحتها انه يحتك برنين يمتد سنينا طوالا باشياء لا
تبيح له استراق السمع ولا التنصت على حكايا الجدات بل تلقي عليه بلائمة متناسقة
مع حكايا النفس
كلماتها بسيطة للغاية لكن وجودها اقوى ومعانيها تزيد المرء امتنانا ، وكلما
حاول التعالي على لوحة اشتياقاتها ، وجد نفسه ينسكب بروحيته الطافحة بالحيرة ،
كما الطعم تستمتع به الذائقة
وهي لما تزل تشتاق الى نكهة اخرى ، وهكذا ...حتى يشعر القارئ بضرورة الرقص مع
جيوب كل التواريخ والازمنة المعتقة وغير المعتقة ، لكل اوراق غيداء ، والتي يرى
نفسه ملزما بتقليبها ، لكنه ما ان يسارع اليها ، حتى يضج وعيه بالصخب والاعياء
، لانه لا يجد فيها غيداء ، بل يجدها مجتمعة في اسرة ، و كلما بحث عنها الفاها
اسرة لا تتجزأ ، ولا يمكن تصفح وجدانياتها ، الا اذا اضطر الى تصفح وجدانيات كل
الاسرة .
تعتز غيداء بوجودها المنتمي الى الصيغة الجمعية و لا تشترك في الحب الا اذا
كان لالوانها ان تتميز ، لانها لا تكترث للون دون اخر، فالالوان في قاموسها
جميعا تشكل وحيا لنصب الطيف الشمسي حينما يتعلق نداه في اشراقة السماء
........................................
النص بالكامل يمثل مسلّة روحية و تعالٍ فوق اطاريح كل مدارات الزمن ، و سمو
للوصول الى حلقات متعاقبة ، دون ان يجمعها سلك منظور ، ان في اشتياق احداها
للاخرى ، تجد كل ما له ان يفوق حد التصور بما يمكن معه احتواء كل المدائن ، عبر
لملمة لكل اجزاء الوطن العائلي ؛ اتعلم عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة ، ان
غيداء حينما تعي ضرورة للقيام بفعل ما ، فانها ما كانت تتجرد الا من سنيها ،
لانها لا تنحصر في عنقود من العمر ، او في ثوب من الاثواب ،
هكذا يعلمنا الطير الذي ينسرب بين حكاياها ، يساير فينا الرحيل صوب احلامها و
يعلمنا كيف تنام غيداء ، وكيف تحيا صباحاتها و لياليها كيف تتقضى ؛ انها
خلجات سافرة ، و من دون رتوش صاخبة ، لانها تعيش المدى و بكل أرقه ، بينما
تستغرق الحلم كافة و بكل أزمنته فرغم الازمات ، هي تتعالى على الازمّة و لا
تجيز لها الانفلات ، مع انها لا تلقي بحبلها على الغارب
لانها ما كانت لتلقي بالكلام على عواهنه ، و لا كانت بالتي تختفي خلف البستها ،
لانها ما كانت غيداء ثمت واحدة ، فهي اسرة قاطبة وعشيرة متداخلة في الحب
والسلام ، لان غيداء كانت ولما تزل في اكثر كتاباتها تعبر عن السلام ؛ و من
وجهة نظرها بمزيد من التصورات الجديدة
عن الحب الذي لم يأت مثله ابدا !
هنا قيد الاسطورة و حلقة الزمن و تغاريد الرجع غير الموجع ، بيد ان سجية تطفح
في مخيلتها لها ان تغرق ما اجتمع بين الخافقين ، بكل شفيف من سيب الشعور لديها
، تعلق انفاسها فوق باحة من باحات السنين، فيها من المشاعر البسيطة و
الايديولوجيات النفسية المسترسلة .. و من دون اي صخب او مغالاة ، فيها من
الواقعية والرومانسية خليط من الوحي
و التلبس بسطوع الايام الماضية والاتية معا .
غيداء تحاول ان تقول شيئا طول النص ، تتفاعل مع ابسط قواعده ، لكنها لا تعرب عن
امكانية التواصل ، سيما وانها تود ان تفجر غاياتها ؛ لكنها تقف عند وسيع من
الاشتقاقات التي انستها
حتى ذكرى الحان من المجد الذي لها ان تعيشه بفضل امها ، فهي وان غمرت نفسها بحب
عتيد
لم يولد معها ، انما كان ثاو بمعيتها مذ ان كانت في الرحم الامومي ؛ هي تستخدم
صيغ شتى في التعبير عن احاسيسها ، لكن القارئ يقف حيالها موقف المغرم بكلماتها
؛ في كلماتها البسيطة انشودة رائعة ، تهتدي الى كيان الشخص من دون مواربة ، كما
انها لا تتفاعل معه حين القراءة ؛ يحصل مثل هذا حين يفكر القارئ بتلاوة النص او
بالاستهلال بمشربيته المستطابة ، لكنه حين يتطاول في خيلاء الكلم الذي ينتمي
الى سعة هذا الافق الذي وجدت فيه غادة نفسها ، و هي تعيش الاهات والمرح في
تناسق آحادي المطلب يتناسب مع شجن يكاد يعرب عن منطقه خلسة و من دون ان يحصل
لمساحات التعبير لديها ؛ اي نسيج من اطلاق التفكيك في زخم العناصر تلك التي لها
ان تؤسس لبناء النص الواضح ؛ انه واضح الى درجة ان القارئ يستلهم منه فضفضة حتى
اذا ما استيقن العبور وناشد الوصول الى سواحل المتن ،
وجد نفسه تشتاق الى مطاوعة الرهبة في كل وجبات النسق تلك التي تفتحت مع كل غدوة
و ترويحة ، كان لها ان تسكب لحنا يتماوج مع عصير الذكريات ، يفوح متى ما شاءت
له غيداء
لكنه يتفتح انساما وزهورا حالما يعاود الطيف قارئ النص لدى غيداء حتى يشعر
بضرورة العودة من حيث بدأ ، لأن فيه نشابا يقتضي ان لا ينسلخ عن مطاويه حتى
تسكن سكرات النغمة في داخله ، و رويدا رويدا ، يجد نفسه يتآخى مع معالم التعبير
كافة ، سلكا يحرك سلكا و اخر يتماشى مع وجوه اخريات ، و لها من السكنات ما تدع
نفس القارئ معها تسكت عن الترتيل استذواقا منه لطعم الملاحة التي كان وجدها في
رحيق المنشأ الذي انطلق معه ، مذ ان ودعته تلك الوازعات ، صوب استكمال اسطورة
الحكي ، حين يكون لها ان تتعملق وهي تتناسج
وفق مخيلة الشاعرة وانحسار المكاشفة عن ولادة لنفس القارئ ، حينما يكتض مزحوما
بعرجونية النفس الغيدائي ، رغم بساطته ، رغم عدالته ، و مع كل اغراءاتها للقارئ
بانها ما كان لها ان تمسه ولا بعنق لمسة شافية ، حتى اذا ما اطمئن الى انعدام
التأثير
وانطواء الحجم في سياقاته بعيدا عن ابعاده ، و متنائيا عن غربلته الخاوية
لعناصر البناء ، نجد ان البطانة الذهنية لدى العنصر القراءتي و المتوافر في
حسية نفس القارئ تخر مغشيا عليها ، بعد ان تتنفس ولادة تلو الاخرى ، حين
القراءة والاستطلاع ، حيث تستطيل فيها المنافحة غير المستأسدة لتصل بها صوب
استعلاء غير مندلع ، لكنه مؤجل بفعل التماهي المتنامي هو الاخر ، و الذي له ان
يتساوق تلقائيا مما يؤدي بالقراءة الى ان تستغني عن نفس القارئ، و تصبح لنفس
الكلمة كل السيادة ، كي تنطلق بحواس القارئ صوب المثارات غير المندرجة و لا حتى
في نفس عنوان القصيدة ، و لا حتى في نفس صلب القصيدة او الخاطرة التي تغذي
سياق النص وبالكامل .
هنا وجع السيادة يستند الى مثابة غير مرادة ، يستنيم عندها وعي الفرد ، من خلال
استطالة وعي الجمع ، و بين هذين تكون غيداء قد ضربت ضربتها العصماء ، و بكل
تلك التلويحات غير المتراجعة ؛ لذا فاننا نجد ان النص يتمكن من قارئه بكل وضوحه
و بساطته و غزارة السيول التي تتشرب بها كل تلك المسافات ، التي تغطي اخاديد
وقناطر كل المقاطع بما فيها عناقاتها المجتزأة ، من دون تفرد او مغامرة في
الاستكانة نحو التجميع المغالى فيه ، هدآت و تحركات و عناقات و تناسبات ، تلتحم
في كل وعي تلك الجملات التي كانت ساقتها غيداء بملاحة و من دون تفعيل لكل
تناوئاتها ، لتتركها تتفعل في داخل الذهنية ، تتوقد خلسة لتصطلي بها سحنات وعت
نشيج كلماتها ، في داخل وعي النفس غير المشار اليه على انه المقصود ؛ و اذن هي
كانت قد ضربت كل ضرباتها و من دون اثارة للتوجع؛ ثم استوطنت بنفس حروف كلمها ،
في داخل الصورة المتراكبة داخل المتلقي ، ثم فجرت قنابلها الموقوتة ، بعد ان
تركت القارئ يستكين الى وحيها ، و من خلال اللا شعور كان لها ان تترك كل
معاولها تعمل انفاسها في رحى الداخلية النفسية ، من دون ان يشعر نفس المتلقي
بكهربيتها غير المتحولة .
انه امر مدهش ، ان نستثمر عقول الاخرين ، لتغذية اعصاراتها ، بعصير الكلم
الساكن بين اخيلتنا ، بحيث نجعلها قوى كامنة تتحرك وفق تجلياتها الخاصة ، من
دون ايذاء ، و لا استمكان قهري ؛ لكن من خلال غزو طوعي ، تنوء به مسلمة كل
عرائس الفطرة المهادنة
لدى المتلقي ، في نطاق كل مساحاته الفارغة وغير الفارغة ، تحل في مكان الفراغ
او تنازع الموجود بمماحكة بيضاء ، بعد ان يعجز عن مناوئتها ، حتى تصابره
بالتكاثر في عناصر الوعي لديه ؛ ثم تنقض تتركه لا يبالي الا بالتسليم لها ،
لان الوعي الداخلي لدى المتلقي سيجد نفسه لا يقوى على التخلي عن طيبة غيداء ، و
مشاعر غيداء و انس غيداء
و وشاح سلامها و عقد اورادها ، و بكل تغاريدها الانشائية و التي لها ان تتحرك
وفق كل المسارات التي تؤدي ظاهريا وباطنيا الى نفس وحدات الموضوع ، و التي لها
ان تتآلف من دون انسلاخ مع حالات الشخصية المترابطة لديه ، بعد ان تعبر له عن
تفننها في الكلام
وانها ما كانت تحدث الا نفسها .
و فجأة ، تجد انها استوعبت انفس اكبر ، بحيث تتعدى نفسها لتشمل نفوس اخرين ، و
بذلك كان لها ان تتحرك بتلقائية دون تعقيد ، و من دون ان تجوس الديار ، و تحكي
قصة الحملات
وكيف غزت ايام الحواضر ، و التهمت داثر احلامهم التي ، كانت تغط في مناشئ
غيبوباتها الرؤيوية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة تحليلية في نص غيداء الطباع
إلى أمي في عيدها
قراءة بقلم : جمال السائح
www.postpoems.com/members/jamalalsaieh
الحلقة الثانية
و يمكن ملاحظة النص على هذا الرابط :
http://www.postpoems.com/cgi-bin/displaypoem.cgi?pid=469130
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقول غيداء :
إلى وردة جورية
خجل الليلك
من فرط حنانك
ست وثلاثون عمر حبي لك
وإجلالك ..
وليته يطول
..
يقولون
أننا في فصل الربيع ؟
وما أنت يا ماما إلاّ ربيع أيامي
...................................................................
في مستهل حديثها و اوليات كلامها ، نجد ان غيداء تحاول ان تسجل لها حضورا يتمتع
بمعنى اخر ، و ذلك من خلال احتواء الطرف الاخر لها و عدم احتوائها له عبر سني
عمرها التي تحصيها ، من ثم انها ترفل في الربيع و الذي ما كان يمثل عندها سوى
الام ، هنا انتقالة في لعبة الحركة ، انها تتنسم روح التبادل في المكان ، بدل
ان تعبر عن اشتمالها على المحبوب
في صورة الام ، لا تزال تتمثل صغيرة امام نفس الام ، انها تعيش في زمن الطفولة
رغم ما تصرم من عمرها الذي تحصيه ، لتثبت مدى ولائها وعظم امتنانها، انها طوال
كل هذه السنين
، هي ما تزال تدور في فلك الام ، و ان عمرها كاملا ما كان يستدعي منها الا ان
تقف تعبر عن تبعيتها والى الان ، هي ما تزال نفس تلك الطفلة الطيعة والموالية
لامها ؛ فهي اذن لم تتغير و براءتها ما زالت تدهشها، لانها ما فتئت تبرهن على
حبها واستجابتها لنفس المصدر الذي كان يعنيها ، و هو نفسه ما فتئ يعنيها و الى
اليوم ، مثلما كان يوليها عنايته فهي الى اليوم تتمثل حاجتها اليه ،و انها لا
يمكنها الا ان تعيش في خضمه ، لانه يمثل الربيع لديها ، فهي اذن ما تزال نفس
تلك الصغيرة ، و هي لم تتخل بعد عن تبعيتها للام ، و ان هذه الاخيرة كانت ولما
تزل هي الاخرى ، تعيش في نفس هذه الصغيرة ، لكن حين تتمثلها تصبح الفاصلة ما
بينهما
تعد بست وثلاثين سنة ؛ و هي عمر حبها لها ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقول غيداء :
ماما أناديك من
الغربة
أناجي ربي أن يحميك
يقولون عيد الأمهات غدا"
ولم يدروا أنك عيدي
واحتفالي
كل يوم
كل دقيقة
كل السنوات
كلمة أحبك تسير مع عقارب
الساعة
.......................................................
لدينا غربة تعيشها غيداء ، و لدينا ام تناديها غيداء ، و لدينا رب تناجيه غيداء
، و لدينا عيد للامهات تحتفل به غيداء ؛ و القاسم المشترك الذي يتحرك في خلال
هذه الاربعة ، هو عامل الزمن في داخل غيداء ، لكن غيداء تعيش الغربة بمعزل عن
افراد اسرتها لانها تقول :
ماما اناديك من الغربة
فهي تعرب عن حاجتها الى الام ، و لما كانت قد اصبحت هي الاخرى اما ، خافت ان
يكتشف من حولها ، من افراد اسرتها هذا الضعف لديها ، فيؤثر على مدى علاقتها بهم
، و من ثم ربما ادى مثل هذا الى انبعاث احساس بالاشفاق من قبلهم تجاهها ، و
هذا ما لا ترغب به ابدا غيداء
لذا هي لا تفصح عن مكنون وعيها و لا تبيح منوال سرها و لا تكشف عن مسودتها الا
لامها ،
و هنا ايضا ، ما ارادت ان تزعج امها ، و تشغل بالها اكثر ، و تعلن عن حاجتها
اليها كما في الامس ، و انها بحاجة الى امومتها ، و لاكثر من حاجتها اليها في
الماضي ، فأقامت تورية
ضمنت حاجتها الى الام ، بعناوين شتى ، اساسها الغربة ؛ فحملتها محملا مجازيا
غير معنونا
على مشاعر كان لمثلها ان تختزلها ، و ليس لمثل غيرها ، لانها غيداء و ليس الكل
مثل غيداء ، لان غيداء رضعت حنان الام و ارضعته لاولادها ، فهي ما زالت تعيشه و
تعيش حبها لامها ؛
و لما كان لها ان تعيش مثل هذه المشاعر؛ فلا بد وان تتفجر نفس هذه المشاعر
لتعرب عن حاجتها الى حنان الام و الى الامومة ، كما لو كانت صغيرة بالرغم من
مرورها بست وثلاثين عاما .
لكنها ما زالت تعرب عن صغرها ، وانها لا زالت تلك الصغيرة سواء في عيني امها
هكذا هي مستيقنة ، لانها تعرف امها اكثر من غيرها و سواء كانت نفس تلك الصغيرة
التي اعربت وعلى الدوام عن حاجتها الى حب الام وحنانها الدائب ، لان البنت اقرب
الى الام من ابيها ، لان الام يفترض ان تكون مستودع اسرار البنت ، و ان الام لا
بد وان تتلبسها عاطفة اكثر وشائجية وتحنانية وتوهجا من نفس الاب ، الذي اعتاد
حياة عملية يقضي جل اوقاتها خارج البيت ، بينما الام كان لها ان تعتاد على
افراد اسرتها اكثر من الاب، بل كان لها ان تألف وجوههم والنظر اليهم اكثر من
الزوج ، و ذلك بحكم الطبع البشري والفطرة الانسانية
والنمط المعيشي وتنوع المجازات التعاصرية التي لها ان تغمر حياتنا اليومية ، و
حجم التفاعلات و كينونة برامجها وطبيعة متغيراتها .
......
بينما تظل غيداء تعرب وفي بداية اغلب مقاطعها التي عرضت لها في النص عن غربتها
و عن ندائها للام بشكل واضح ، حيث تفصح عن حاجتها لحنانها كما لو كانت نفس تلك
الصغيرة ؛ و بذلك فهي تطمئن الام ايضا على ان غيداء ابنتها لم تتغير و لم
تغيرها ظروف الحضارة مهما ابعدها الزمن عنها و انها من جانب اخر ما زالت تعرب
عن حاجتها لامها و ليس فقط عن ايفائها بحاجة الاخيرة لها انما عن حاجتها ايضا و
التي غدت متجددة و بدت مستفحلة اكثر مما كانت عليه في الامس ، و هي في اليوم
اكثر منها في الماضي ! و هذا يدهش حقا و يبرز قيمة غيداء تلك البنت البارة
لامها و تلك المثقفة البارة لوالدتها ، و في نفس الوقت الذي تعاني فيه غربتها و
بعدها عن اهلها ، فانها لا تعكس حقدها على القدر أو على نفس الاسرة ، فلا
تمنعهم حبها ولا تشح عليهم في عطائها الحناني و لا تبخل عليهم في اسداء كل
وهجها التحناني اليهم .
كثير من يلقون العنت من الاقدار يعكسون الامهم على من حولهم و يعبرون عن
غضبتهم باشكال غريبة وشديدة للغاية ، فلا ينال سخطهم في البداية الا الاقربين ؛
لكن غيداء ما كانت من هذا النوع ، لانها لا تعيش الحقد والخبث ، فالغربة تزيدها
وهجا و جمالا ، لان حب الام ما زال يعرش في قلبها ، و لما كان له ان يكون كذلك
، فان فطرتها لا بد وان الحضارة لم تلوثها
لذا فهي لا تعكس حقدها على الاقدار ، أو حقدا ضروسا على الاولاد ، بل هي لتزداد
تفاعلا معهم كلما ازدادت مواجع غربتها ، كما لو كانت لا تعبر عن ردود فعل عكسية
الا بصور ايجابية مدهشة وللغاية !
.....
فهي تعيش الام في كل يوم ، بينما في خارجها يحتفلون بعيد الامهات في يوم خاص ؛
اذن ، فالام تسكن غيداء و غيداء تعيش بذهنية الام ، الغربة ، الرب ، الام ،
العيد ؛ الرب هو الذي صنع الام و بوسعه ان يحافظ عليها ولاكثر من الايام ، كي
تكون كل الايام عيدا للام ؛ فبسبب من الام كان لغيداء ان تحتفل بعيد الامهات ،
و بسبب من الام ، كان لغيداء ان تعيش الحفل في كل يوم و ساعة .
هنا الام تتجسد معانيها في اكثر من دلالة و اخرى ، اصبحت هي نفس الزمن الذي
تعيشه غيداء ، و ان غيداء رغم غربتها ، فان ارتباطها بالام عن طريق الرب ، كان
يهيئ لها اجواء التواصل مع امها و بالتالي مع عيدها و بالتالي فهي بسبب من هذه
العلل ، هي تواصل العيش لان كلمة احبك تسير مع نفس عقارب الساعة ، و ما كان
الحب لدى غيداء سوى الام ، و اذن ما كانت الحياة لتمثل لغيداء سوى نفس الام ،
لذا فالمعادلة المنطقية تقول ، الحب يسير مع عقارب الساعة ، الحب عند غيداء لا
يمثل سوى الام ، اذن ما كانت عقارب الساعة لتمثل سوى نفس الام و ذلك بعد حذف
الحب .
..............
عقارب الساعة تمثل الام
والحب يسير مع عقارب الساعة
فيعود الحب ليمثل الام والعكس صحيح
..............
غيداء تعيش في الغربة
الام تمثل عيدا لغيداء
اذن عيد الام ايضا يعيش في الغربة
..............
لكن غيداء تناجي الرب
كي تغالب غربتها
لانه سبب الوجود
حينها سيكون لغيداء ان تعوض عن غربتها وحرمانها من الام حين يكون لها ان تحتفل
بعيد الامهات في كل يوم وساعة ، حتى تتجسد متقمصة شخصيتها كي لا تفكر حين تفكر
بنفسها
الا بالام .
هنا ادغام من قبل غيداء ، تخاف ان تفكر بنفسها اكثر من تفكيرها بالام ، لذا هي
تتقمص شخص الام ، كل يوم وساعة وكل يوم ودقيقة وسنة ، فما كان هذا الا تقمص
حقيقي لنفس شخص الام ؛ هذا من الناحية الخارجية ؛ اما من الناحية الداخلية
فسنراها تتقمص دور الام
من حيث تمنح اولادها ، كل ما منحته لها نفس امها ، لتتكرر دورة الزمان ، يعني
انها في كل يوم وساعة وسنة هي تعيش حفل عيد الامهات من خلال ولائها الخارجي
لامها
ومن خلال انفتاحها الداخلي على افراد اسرتها ، و هنا تعبر عن ضرورة حسن ظن امها
بها
لانها كانت لها ان تعيش مع امها ليل نهار ،حينما يكون لها ان تكرر وجودها
وعنايتها ، تكرر خلق امها ، و لكن مع اولادها لكي تبرهن انها تعيش الام ، ليس
فقط في ولائها لنفس الام
ولكن في انعكاس نفس شخصية الام على كامل يومياتها بما فيها الدقيقة و اليوم و
السنة
*************
دراسة تحليلية في نص غيداء الطباع
إلى أمي في عيدها
الحلقة الثالثة
بقلم : جمال السائح
www.postpoems.com/members/jamalalsaieh
و يمكن ملاحظة النص على هذا الرابط :
http://www.postpoems.com/cgi-bin/displaypoem.cgi?pid=469130
-----------------------
ماما أناديك من الغربة
أناجي ربي أن يحميك
مازالوا يقولون
أني جميلة
ولا يدرون أن نورك
أضاء وجهي
مذ كنت برحمك
وانعكس
حبك
وشكّل وجهان للقمر
فلندعهم يقولون ما يقولون
........................................................................
هل هو تناسخ في الروح
ام تقمص لوحي الجمال
ام انه انعكاس لا يتم الا اذا التزمت غيداء بكافة وصايا الام التي وصفتها غيداء
فيما بعد بالنبل
، و هل هذا يدلل على ان غيداء الان تتمتع بكل نبل كانت ارضعتها اياه نفس امها ،
و انها بشكل عريق غدت لا تنعتق عن حب امها ؛ تعد امها بان اولادها هم الاخرون
يعني اولاد غيداء
لا بد وان يكونوا معها بنفس ودها الذي تعاطت به مع امها ، اقصد نفس غيداء
وتعاطيها مع والدتها ، يعني تكهنات بدوام مثل هذا النورو الذي يعكس ايضا رضا
والدة غيداء عن نفس غيداء ؛ و هو النصر المؤزر الذي حدا بوجه غيداء ان يعكس
جمالا ، و ما كان هو في الاساس الا بسبب من نور الام و الذي كان له ان يعكس
مثل هذا الجمال ، يعني هي السبب في وجود غيداء و ليس هذا و حسب بل انها اكتست
بضياء ، و الضياء يعني جمالا و بشارة في السريرة و بشاشة في الوضاءة ،و هذا
كله لا يجتمع دائما مع الجمال .
ثمة جمال لكن مع جمود في الملامح و المشاعر والاحاسيس ، لكن في غيداء اجتمعت
مثل هذه القضايا لتبرهن عن احقية النبل الذي ستصف به غيداء امها فيما بعد .
.....
ضوء ينسل من وجه غيداء ، لينطلق فيسكن في الاحداق ، بعد ان يعكس جمالا يضيء
بوجه غيداء ، لكن غيداء تقول انه الحب ، حب الام ، هو الذي انعكس ، نور الام ،
انعكس ضوءا في وجه غيداء ، لان النور والحب اجتمعا في وجهي القمر و لان الاقمار
لدى غيداء تضيء من الوجهين ، الحب ونور الام ؛ اذن ما كان النور ان يتسلل الى
وجه غيداء ، الا بتفعيل حالة الحب بين غيداء ونفس الام ، و الا ما كان لمثل هذا
النور ان ينعكس جمالا في وجه غيداء ، هنا غيداء تجسد اهمية حب الام و تواصل
الانسان في علاقته معها لانه يعكس جمالا وضياء ، لانه سيكون السبب في احالة
حياة الانسان الى نور و ضياء ، و بالتالي الى رفاهية وعيش سليم ؛ لكنها لا تخفي
امتعاضها ممن حولها من الناس ، من اقاويلهم ، فلندعهم يقولون ما يقولون .
هنا انتباهة دون سابق وطء لها ، لانها تحدث عنهم بانهم يقولون عنها جميلة ،
لكنهم ما يعلمون انه سر الامومة التي زرعته ام غيداء في نفس غيداء ، حتى كانت
قد ارضعتها الحب لاولادها ، و هو نفس الحب الذي كان نما في قلب غيداء ، وعاش
لنفس امها من خلال منحه غيداء لمن حولها من الاولاد .
لكن السؤال الذي يطرح نفسه ، لماذا لم يتمكن حب الام وضياء غيداء من اصلاح ما
حولها من الناس الذين اعلنت غيداء عن استيائها منهم ؟
و انه يا امي لا تشغلي بالك بهم
فليقولوا ما يقولوا
كما لو كانت تحدث عنهم انهم لم يفهموا ، بان سر جمالها و حسن عيشها ما كان خيره
متأتيا الا بسبب من برها وحبها لامها ، اي انها تعيش الام في داخلها وخارجها ،
بينما من تعاشرهم لا يفهمون هذه القيمة الخلقية والانسانية ؛ لا بد وانها عرجت
الى مثله و انهم لا يصدقون كل ما تحكيه سريرتها عن الام ، كما لو انهم يستثقلون
منها ان تلغي نفسها لتذويب وجودها بالتالي في نفس امها .
هنا يتمثل صراع خفي ، غيداء من طرف وما تحمل من موروث امومي ، و الناس من حولها
فاصلة شاسعة تعيشها غيداء ، ثقل نفسي لا تعبر عنه الا كفلتة لسان ، حينما تعي
ان الحظ يطرق نفسها ليس بغتة ، لكن بسبب من مواقفها ؛ فارادت ان تعلن لامها وان
لم تعرب الاخيرة عن يأسها من الناس لاننا لا نرى تصريح بمثله ؛ لكن غيداء تقرأ
الام و تعيش ذهنية الجيل السابق ، كيف ان ام غيداء تتحسر على مثل هذا الجيل ،
بان عليه ان يغذي اولاده وافراد اسرته بحب امومي ، كي يستدرونه في وقت الشيخوخة
وفي الغد ، فكما لو ان غيداء تقول لامها ، لا تذهب نفسك عليهم يا اماه حسرات
دعيهم .. فربما سيفهمون في الغد ما نفهمه انا وانت في اليوم ، ما شأننا بهم ،
نحن قد فعلنا ما موجب علينا فعله تجاههم ذكرناهم بحب الام لكنهم لا يعون الا
وجودهم ، لا يلتفتون الى الوراء كثيرا ، و لو التفتوا ، فانهم حتما كان سيكون
لهم و من اسباب النجاح اعظم مما لديهم في اليوم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماما أناديك من
الغربة
أعد الأيام لألقاك
باختصارات أشواقي
كيف حالك يا سنبلتي؟
أيتها النبيلة الأسطورية
وكيف حال أبي وأخي ؟
والجود والكرم
؟
وحديقة بيتنا ؟
والأشجار المبللة
بندى المطر
والشام المعطرة
المعتقة
بطهارة كل الأمهات ؟
...............................................................
تعرب غيداء في هذه الاضواء المتلاحقة عن فراقها لامها ، و انها تعيش في غير
المكان الذي تعيش فيه نفس الام ، و من ثم ان عيشها انقلب الى احصائيات ، هي
تعد الايام كي تأتي مناسبة بعينها و يكون لها الحظ في زيارة والدتها ، و من ثم
تسأل عن ابيها واخيها
هما الاخران يسكنان مكانا لا تسكنه هي ، هم جميعا يسكنون الشام و هي لا تسكن
الشام الان
انما تسكن بلدا يبعد عن الشام ، و الا لكان لها ان تتردد عليهم اكثر من
المعتاد، و لما كان لها ان تعد الايام كي تتوافر لها فرصة تجتمع فيها الاسرة و
تشد بهم الرحال الى موطن الاجداد .
هنا ترتيلة اخرى اي ان غيداء وعلى الظاهر ، هي لا تسافر وحدها ، انما تبتعث في
وجدانها السفري حالة من المطرية الغزيرة داخليا وخارجيا ، مثل حب الام ، ربما
كان لها ان تصطحب الاولاد ، و لما كان الاولاد مرتبطين بمدارس فما كان لها ان
تتركهم وحدهم لذا ارتبطت بهم داخليا وخارجيا ، هم معلقون بمسؤوليات و هي معلقة
بمسؤوليات تجاههم بغض النظر عن نفس مسؤوليات غيداء العملية ؛ و لكن اين حب
الرجل ؟ لانها هنا ذكرت ابيها و لم تستذكر زوجها كما سيكون لها ان تستذكره في
المقطع الاخير حينما تقول :
......
ماما،، بابا
أحبكم
......
وكيف لها ان تعيش حياة الاب في نظرها الى الزوج ، لم تشاطر ابيها حياتها مع
زوجها و شراكتها لحبيبها ابو عيالها ، و لم تشق لحبها زوجها اي طريق ، يفترض
انها كانت تستذكره بمعية الخطاب ، فلم تعرب عن حبها لابيها بنفس تلك الكثافة
التي اعلنتها لامها ، و ربما اجابتنا غيداء ، بانها هي نفسها كانت تعبر عن الاب
ايضا ، لانشغالات الزوج ، فكانت غيداء تمثل الام و الاب لاولادها و بذلك فهي لم
تنس الرجل ، و شريك عمرها الجديد مثلما هي لا تنسى
الاب والام شريكي عمرها القديم .
.....
ربما قائل يقول ان قصيدتها هذه كانت منحصرة في الام ، ربما في اخرى تحدثت عن
الاب
او الحبيب و في كثير من ملاعب الادوات الادبية ، و ربما بكل اسهاب ، لكن ومن ثم
كان يفترض بها ان توجه اشارة مستلهمة في هذا الامر ، و ان تخلي حيزا معينا و ان
توطئ المجال للشريك كي يعرب عن تحاياه ،و عن مشاركته الحب في حفظه لغيداء
وامانة الرب التي في عنقه ، و التي كان استودعها اياها ابواها يعني ابوي غيداء
.
......
كما لو كان لها ان تعلن و للاب ، يعني غيداء لابيها ،ان بعلي الذي يزداد حنانا
على اولاد
كلما استفاق على وجه تحناني انا الاخرى عليهم ، هو ليسلم عليك و يشير اليك
بتحاياه ،
و كيف انك انجبت مثلي ، و اهديته غيداء لتعيش معه والى الابد !
كان للقصيد ان يبدي فاعلية اكبر و زخما يتناسب ، و عظم الضخ المتوالي في الاشطر
المنفتحة
ربما وفي كل الاتجاهات ،لكن السؤال المباغت هو : كيف لغيداء ان تجمع ما بين كل
هذا العد
و هذا الانشغال بعد الايام ، بمسؤولياتها الاسرية والعائلية ، انها تفصح عن ذلك
في المقطع التالي ، و هذا هو نص افصاحها و ادلتها التي تستاقها بعناية ، و هنا
تتضح عظمة التحقيق المتثاقبة لدى غيداء حينما تسوق المعلول مردفة اياه بالتعليل
، بعد ان تمهد لتناسبات تقنية في النص ،من حيث انها اهتدت الى ضرورة الكشف عن
وقائع وخفايا حياتية ، حتى كان لها ان تستكنه اغوار تلك الملامح ، و تغرز
مكاييلها في كل اكف الغربة الوثنية .
*************
دراسة تحليلية في نص غيداء الطباع
إلى أمي في عيدها
الحلقة الرابعة و الأخيرة
بقلم : جمال السائح
www.postpoems.com/members/jamalalsaieh
و يمكن ملاحظة النص على هذا الرابط :
http://www.postpoems.com/cgi-bin/displaypoem.cgi?pid=469130
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماما أناديك من الغربة
وأصبحت أما"
لعصافير أربع
..
وأشاركك لعبة المحبة
حين أجدل ضفيرة
وأتذكر يديك
الطاهرتين
لطالما زرعت محبتك
بقلوب أطفالي أيضا"
اللين
والساره
والفرح ومحمد
فهم مثلي تغلغلت كالياسمين
وتربعت ملكة على
قلوبهم
وأهدوك وسام
أجمل
وأحب الجدات
......................................................................
هنا تبرر غيداء كيف كان لها ن تقضي الايام تلك الاوقات التي كان مفروضا عليها
ومن الحس الداخلي ان تنشغل بعدها ، هذا في نفس الوقت الذي كانت تنشغل ، و من
خلاله في القيام بمسؤولياتها ، تجاه افراد اسرتها و العناية ببيتها في خضم
اعمالها ، كانت تعد الايام ، لانها لا ترى الجدوى في اهمال بيتها و الانشغال
بعد لا متناه ، لكن لما كان بوسعها فعل مثل هذا العد في ظل اطار قيامها
بمسؤولياتها و ان هذه الاخيرة ما كانت الا ردا على مفاخر والدتها
و انها تجبر بذلك خاطر امها ، وانها بذلك ايضا لتستلهم من امها كل الخير و
تعرب عن وجعها في الغربة ، وانها ما كانت تغترب عن امها الا لضرورات حياتية ،
ربما كان عمل زوجها هنا ك و شغل رب الاسرة ، و من ثم تفرعت عنه الى الاولاد
الذين وجدوا رحبة واسعة في الغربة ، و التي اعتادوا سكناها من ثم مزاولة
اعمالهم ، ثمت بعد ان توجهت بمثل هذا
استطاعت ان تعرب لوالدتها ان في غربتها عنها كانت تجسد نفس امومتها ، حينما
كانت تهدي عطفها وحنانها لمن تحبهم امها و ما كانوا الا اولادها ، يعني احفاد
نفس الام و بذلك تسكن غضب الام وعتابها ، بانها ما كانت انشغلت عن امها ، الا
باحباب قلبها .
وهنا لا بد وان تهدأ فورة الام و تسكن مشاعرها المتوهجة لان غيداء ما كانت
انهمكت عن الام ، الا بورود اربعة تحبهم نفس الجدة ، يعني ام غيداء ؛ لذا هي
ترضى لها مثل هذه الغربة
و اغلب الظن شريطة ان لا تطول ، و ان تطل عليها بين الفينة والاخرى لتعبر عن
ودها لها و للاب وللاخ ، و هذا ما يثبته كلام غيداء حينما تقول انها تعد الايام
يعني انه له موعدا ، و هي ربما كانت عطلة نصف السنة الدراسية او العطلة
الربيعية والعطلة الصيفية او حتى عطلة رأس السنة الميلادية و غيرها من العطل
والمناسبات المتاحة ، لكي تقلها الى وطنها السعيد حيث يحيى الاهل ، الاصل
والجذع الاساس لاسرتها
......
ماما أناديك من الغربة
......
لا زالت غيداء تئن تحت وطأة الغربة، لم تعرب عن راحتها و عن طمأنينتها ، و هي
لما تزل تشتاق الى الوطن و الى مجاورة امها وابيها واخيها .
.....
لكنها كذلك تعبر عن سلوى لها اخرى ، حينما نراها تقول :
وأصبحت أما"
لعصافير أربع
..
و أشاركك لعبة المحبة
حين أجدل ضفيرة
و أتذكر يديك
الطاهرتين
لطالما زرعت محبتك
بقلوب أطفالي أيضا"
اللين
و الساره
و الفرح و محمد
......
فهي تبدي اعجابها بحالة التقمص التي ارتدت يديها لانهما غديا نفس يدي الام ، و
انها حين تعني باولادها فما كانت تعني بهم في الحقيقة ، الا يدي الام والجدة
نفسها ؛ ام غيداء ، و هي بذلك تعبر عن انتمائها الى الام و ان طاعتها لها ما
زالت في اشدها ، و انها تعمل بما اوصتها به ، و انها نسخة طبق الاصل عنها ،و
انها تكرر حنانها في نفس اطفالها ،و هم احفادها .
.....
لكنها في البدء حينما تقول " ماما اناديك من الغربة "فانها ما عنت بها الا ،
اماه قد غذوت اولادي بحنان الامومة ، لكني انا نفسي احتاجه ثانية وثالثة، فانا
ما زلت اعيش في غربة ،
يعني انا عوضتهم عن حنانك و حنان الجدة ، لكن انا من يعوضني، كما لو انها اعربت
عن ضعف في المستوى البيئي و هي حياتها الاسرية ، المفروض ان الزوج له ان يعوض
الزوجة عن غربتها و عن بعدها عن الام ؛ لكن ، و هنا اشارة ضمنية الى مدنية
القرن الجديد و انه قد انتزع حتى الزوج من حضن زوجته ، و ترك الاخيرة لاحزانها
واحلامها ، لانه كان انشغل في اعماله واطماحه ومستقبل الاسرة فتهافتت اثار
الوحدة ، تنازع غيداء وتجاذبها ، و لولا الاحفاد يعني الاولاد ، ما كان لغيداء
ان تتمكن من العيش في مثل هذه الغربة ، لانها تستذكرهم كما لو كانت تستذكر
ايامها التي كانت قضتها مع امها ، حينما كانت تجدل ضفائرها و اليوم تجدل ضفائر
ابنتها ، او حين تزرع الحب في قلوب عصافيرها الاربعة كما كانت تزرعه امها في
قلبها
هذا نوع من الصراع الحضاري ،يشتمل على نفس الاسرة والعائلة التي لها ان تقف
كصرخة بوجه الغربة ، بفضل نفس الام ؛ فغيداء تغذي عصافيرها وتزقهم بالقوة بنفس
القدرة التي كانت غذتها بها امها ، و لذا فلولم تغذها الام كذلك و من قبل فما
كان لغيداء ان تحتمل ثقل الغربة التي اكتظت بها مفردات حياتها و ما كان سلواها
بالتالي و موادها الاولية ، سوى عصافيرها الاربعة ، و هم بالتالي ما كانوا سوى
عصافير الجدة الاربعة ، لذا فغيداء تحتج بهم لانها تعلم كم هم اعزاء لدى امها
يعني لدى جدتهم ، حيث تقول :
فهم مثلي تغلغلت كالياسمين
وتربعت ملكة على
قلوبهم
وأهدوك وسام
أجمل وأحب الجدات
هنا اصبحت هي الملكة و ولية العهد بعد الملكة الام ، انها اليوم تحكم كما حكمت
امها في الامس ، هكذا يمنح الله ثمرات الحب لكل من احبوا ، يهبهم الملك لانهم
كانوا قد زرعوا الحب في كل مكان حولهم ؛ و لذا كانت ثمرة حب الام ان يكون
الانسان نفسه اما و ان يكون ابا ، يعني ان يكون ملكا ، لانه طالما كان بارا
بوالديه ، كان له ان يحصد ثمن هذا البر .
كم الرب هو عظيم فواجبنا ان نكون بررة ، لكن الرب يجازي على مثل هذا الاداء
مع انه تمثل له واجبا تطبيقه من قبلنا و مع هذا هو يكافئ عليه تشويقا من لدنه و
تحفيزا للاخرين ؛ فغيداء اذن هي تلوح بكل هذا و تضيف اليه ثمرات ما تجنيه من
خدمتها وطاعتها لامها في الامس ، انها اليوم تحصد ما كانت زرعته في الامس ،
كانت بارة بامها وابيها و اليوم اولادها يبرونها و بنفس البر الذي برت به
والديها من قبل ، لانها عبرت عن نفسها
انها ملكة و الملكة لا تكون الا حينما يطيعها كل من حولها ، و الا ما كانت تسمى
ملكة ، و الملكة لا تكون كذلك الا اذا اثبت من حولها برها، و اعلن عن تأييده
لها و نادى بضرورة ترشيحها ملكة ، حتى نصبوها ملكة ، و الا ما كان لها ان تصبح
ملكة الا اذا حازت على اغلبية التشجيع من اسرتها ، من الاسرة المالكة نفسها
اولا ، و من ثم من حولها من الناس لكننا لا نرى لغيداء اي اهتمام بمن هم خارج
نطاق اسرتها ؛ و ان يكن فليس في هذا النص بل هنا تثبت غيداء ان مملكتها التي
تعني بها و تهتم بمنصبها الملوكي فيه و الذي لم يكن يسترعي انتباهها ابدا ، الا
في داخل بيتها و هو محيط اسرتها و أفق عائلتها ، و خطوط لا تتجاوز عصافيرها
الاربعة ؛ مملكة العصافير الاربعة اذن ! هي مملكة العصفورة غيداء ، لانها كانت
عصفورة ، تزقها امها من قبل و اليوم هي تزق افراخها من العصافير و كما كانت
امها ملكة عليها ، هي اليوم ملكة على كافة عصافيرها ؛هكذا يجازي الرب و بسخاء !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماما أناديك من الغربة
وأعد
الأيام لنلقاك
ونهديك ورود الأرض
وجميع الكواكب
والمرافئ
وقبل كثيرة
خبأناها بحنايا أضلاعنا
ماما،، بابا
أحبكم
والعالم أجمع على
الطاعة والولاء..
من :
سامر ..لؤي .. مجد .. وغيداء
لك كل المحبة و الوفاء
والفداء.
.................................................................
هي لا تزال تعيش الغربة و تكرر غربتها ، لانها لم تستطع التغلب عليها ، و
ندائها الى الام
مع كل تكرار للغربة يؤيد حقيقة انها لم تتغلب على غربتها الا بمعونة ذلك الحنان
الامومي
و الذي انقلبت تتغذى عليه لكمونه في داخلها ، لكنها كيف لها ان تغتذي عليه و
ثمة اربعة اولاد هم الاخرون بحاجة اليه ؟ لذا كان لها ان تجد نفسها في هوة
الصراع ، فاولادها في خضم الحاجة الى امومة و هي نفسها تخجل من الافصاح عن مثل
حاجتها لمثل تلك الامومة التي غابت عنها لبعد المسافة لحرج اصابها و صعوبة في
الكشف عن نقاط ضعفها ، خوف ان يصيب مسار تلك العلاقة مع اولادها خلل يمكن ان
يعكس عليها اعدادا من الضعف و بعدد من تحب من اولادها ، لكنها اكتفت بان عبرت
عن امومتها لاربعة من ولدها و انهم هم الحنان
و انما هي تغذيهم بهذا الرصيد الذي اغتذت به من امها ،لتعود هي تغتذي منهم
وبشكل غير مباشر لان البنت حين تصبح اما ، يعوضها الخالق عن حنان الام و
انفصالها عن بيت العائلة
الى بيت الزوجية ، يعوضها بحنان الزوج و حنان الاولاد ؛ و هنا تقصر الشرح على
حنان الاولاد و لو انها لا تشعر القارئ بحنانهم عليها ، لكن كلامها كان يربو
على حنان و اكثر
تغتذي من حنانها لهم و وجودهم الى جانبها هذا كان يكفيها ويغذيها فتقول : و
ان اصبحت اما لعصافير اربعة ؛ لان الضعف ما زال يحاكي فيها كل الاشياء و
يعرب عن وجده المتداخل في نفسها ، في دخائلها جميعا ، عد الايام ايضا صار لعبة
كالمسبحة كبتلات الورد ، حين نقطفها كي نرى الحبيب يحبنا ام يسلانا ، لكن هنا
عدا دون اي اراءة ، لانها متاكدة من امومتها الحالية ، لذا كان لها ان تتاكد من
امومة والدتها و انها ما تزال تلك الصغيرة بالنسبة لها
باعتبار برها لها ، ثم تهديها كل الحب ؛ و هنا تدمج معها ابيها :
ماما بابا احبكم
و لم تقل احبكما ،لانها كانت جمعت نفسها معهما ، لانها هي الاخرى كانت اصبحت
اما و بفضلهما ، كما انه ربما لاح لها ان تخاطبهما بلغة الجمع ،اعرابا لهما عن
احترامها لهما واعتزازها بهما
.....
من ثم تجمع العالم في أربعة اولادها و عصافيرها ، لانهم كانوا يمثلون عالمها
مثلما كانت هي و من قبل تمثل عالما لامها ذلك حينما تقول :
والعالم أجمع على
الطاعة والولاء..
من :
سامر ..لؤي .. مجد .. وغيداء
هكذا
تختصر غيداء الطباع اسطورتها الفنية في وصالها مع الام الحقيقية ، و هي وطنها
الغالي
و ارضها العزيزة و حياتها المستنيرة بدفء الامومة التي انتقلت معها الى الغربة
، لانه وبفضل الوطن كان لها ان تغذي الغربة من رحيق الحنان و الامومة كذلك ،
مثلما فعلت معها الام من قبل مثلما كان فعل معها الوطن من قبل ، لتصبح هي نفس
الوطن في الغربة ؛ مشاعرها تظل تعيش في كنفها تتغذى عليها ، تجتر حنانها الكامن
في اعماقها ، ذلك الحنان المدخر ، كي يحرك فيها السعادة المفقودة ، حلمها
الامومي المتحقق ،وغربتها وحبها واشتياقاته