www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 أكمام الشومر
قصة قصيرة بقلم : ميس الرازم
عن دنيا الوطن

            لم أفاجأ بوقوفه أمامي متشنجاً متشحاً دموعه الغزيرة .... ! وقد ظهرت كأنها قناع شفاف يتراءى للعيون متماوجاً ويشف عما وراءه من ملامح تغمرها الطيبة ويغمرها الهدوء المختزن لأحزان الدنيا ! فعرفت أنه يتغلب على ريبته السطحية وأنني على صواب باختياره رفيق رئة !
ولم تأخذني المفاجأة الكاسحة أبداً حين غرس ركبتيه متوازيتين متلاصقتين في الطين وانكفأ على كفي يقبلهما ويغرقهما بالبلل ! ولم أفاجأ أيضاً حالما رفع ناظريه الغاطسين بالبحر اللجي البلوري وتسمر في وجهي قائلاً : سامحيني !
لا ..... لم أفاجأ ......... ! فهذه هي المرة الألف التي أحلم بها بوقفته أمامي هكذا . وهذه هي المرة المليون التي أراه في حلم يقظتي متكئاً على ركبتيه ينشد إمساكي بيديه مستعطفاً وجهي لأقترب منه أكثر! فصاحب الأرض وصديقها يستجاب له ! ولايمكن لرب الكون أن يخذل أحلام الطيبين أبداً !
وها هو اليوم المتخيل قد جاء على قدمين ، وذراعاه ممدودتان منقوعتان بوشم لا أراه وقدماه تترنحان اعتذاراً وقلبي لا يشمت بل يزغرد !
وكأنني دعوت عودته منحنياً غارقاً في اعتذاره للتراب ، وهو يؤكد لي أنه اتعظ من التصاق بذور الشومر بأكمامه حتى هذه اللحظة ! وأنا التي تمنيت أن يعاود الحضور وفي هذه البقعة بالتحديد إلى حوض الشومر الأخضر..... ولما يرتفع بعد عن طراوته الندية ..... فقد هالني تعملقه في العام الماضي ذات شومر محصود أنه لوى صدغه وامتعض وفعل الأفاعيل حين جاءني باحثاً عن موسوعة الفن الحديث وعثر علي في البستان ألتقط عروق الشومرالتي تشبه الإبر الحادة الموشكة على الجفاف ، يومئذٍ تراجع إلى الوراء وهتف فاغراً فمه :
أوه ..... كم أنت خشنة ! وهذه التربة المتحجرة التي تطحنينها بكفيك الناعمتين ، ألا تشفقين على أصابعك الفنانة والتي لها عليك واجب اللف بورق الحرير ؟ لم أتوقع فتاة هي نسمة الجمال بعينها تنخرط في موروث الأرض والجفاف ، أنت أرق من هذا يا فتاتي ! أعط نفسك حقها من الدلال .....! حرام عليك ما تفعلينه بنفسك ! فلقد خلقت أصابعك للتماوج على السطوح الناعمة لمعمار الخيال الشفيف ! آه ! كم أنت متناقضة ؟
تسمرت تلك اللحظة في الأرض وأنا أحتضن إضمامة الشومر القاسي وأكتكت بذوره على قدمي برؤوس أصابعي ، وأفكر بكلمة متناقضة ؟
...........................! متناقضة ؟
متناقضة ؟ لم لا............... ؟ لا ............. !
نعم متناقضة حين تظهرين راقية شفافة ، بينما حقيقتك السرية شبه مزارعة فلاحة !
همست في سري المتناقض : أيريد لي لوناً هوائياً ولا طعم لي ولا رائحة أرض ؟ يا الله أأنا المتناقضة ؟ سبحان الله وقلت : فليكن .............. متناقضة !
وماذا عن كفيك يا صديقي لو ساعدتني في حصاد الغمار وبذرت معي شومر العام القاسي المقبل ؟ فلا بذار بديل عنها لهذه التربة ، وقد اعتادت هذه الأرض على نبتة تجذرت فيها وأي تغيير سيقتلها ، سيسحب أنفاسها ويغطي تمثيلها الكلوريفيلي ! أي سيقبرها ! وعلى كل حال سأتركها في أرضها مثل بذار الريحان تغفو فرحاً في تربتها حتى تصحو في موسمها ، كما تصحو ابتسامة الوليد في الفجر ؟
قال لي يومئذٍ وهو يرفع شفته السفلى إلى شفته العليا باستغراب يشبه الإستكبار :
التهمتني المفاجأة .... ! فنانة مثلك تتهافت على التراب ، وتمسك بعض الأشواك بخصلات شعرها المهفهف الطويل وتضيع وقتها الثمين وجزءاً من عمرها الشفاف الجميل بين حجارة وتربة عجفاء ! يا الله التهمتني المفاجأة !
همست : يا مسكين ................ التهمتك المفاجأة ........ !
ورفعت صوتي وأنا أبتسم وأسبل عيني وأهز رأسي : التهمتك المفاجأة ...... يا حرام !
قال وهو يعصر عينيه تحت الشمس ويتلقى حرها وأشعتها بظهر يده وكأن الشعاع يقبل جبينه الوضاء وخصلة شعره النورانية :
أكون صريحاً معك لم أتوقع منك هذه الخشونة ، أريدك ناعمة مثل لمسة نسمة على جبين ورقة ياسمين ! أو هفهفة عطر العشب على خد عاشق متيم حين يتمطى بفرح !
قلت له آنذاك وقد اشتعلت الشمس في ضحاها وأصبحت عمودية وانعكس ذلك على بساطته التي أحب : أجمل ما فيك اليوم ، تشبيهك للنعومة بالعشب والياسمين ، وكلها فلذات هذه الأرض التي تستكثر علي الغوص فيها ! لا تزعلني أكثر من ذلك ... !
قال وهو يهم بالمغادرة : يا ستي سامحينا ... !
قلت وأنا سيدة تفويت الهفوات : يا سيدي سامحناك .... !
ولامسته وأنا أربت بضمة الشومرعلى كتفه وأقترب أكثر وهو ينط ويتراجع إلى الوراء محاولاً إبعاد ذرات التراب عن قميصه ويهمس : لا ليس هكذا يا حبيبتي ! هذا مزعج !
قلت وأنا أكثر شقاوة وخشونة مما يتخيل : مزعج ؟ سلامة النواعم يا متوازن !
قال متأففاً وهو ينقز : كفى !
ابتسمت بسادية مفاجئة وأنا أهز رأسي وأعذبه أكثر بتقريب بذور الشومر الشوكية :
أتزعجك الجذور العجفاء اللابسة للتربة الجافة يا صديقي ؟
صاح : نعم ... تزعجني يا ستي !
ونفضت تراباً على محيطه هنا وهناك ...... وربما أصابني شقاء الصبية حينما يعبثون برشق التراب أو المياه على أحبائهم ، لكن في الحقيقة أن شعوري وسلوكي لم يكن هكذا فقد أحسست بانني على جمرة الغيظ والشقاوة في نفس الحين ، ولم أدرك ذلك إلا عندما وجدتني أعض على شفتي وألحقه مثل جنية تفتح عينيها ببحلقة مستديرة وتهش عليه بضمة الشومر ! ها ؟ خائف منها ؟ هي تعض الجبناء ..... الجبناء ..... ياجنتلمان !
يا حرام ..... يا ناعم .... يا أنيق ...... يا دلع ..... يا متوازن .... يا زبدة .... ! تعال !
نفض التراب عن كتفه بلهاث مسموع وراح يتراجع إلى الوراء كمن يقود عربة إلى الخلف دون فحص خلفيتها وصاح : لا .... لا أصدق أنك خشنة إلى هذا الحد ؟ !
غيرت ملامح وجهي ، وجعدتها مثل سيدة المسرح سالومينا وهي ترتدي ظلال الجنية وقلت بصوت شبه مبحوح : عو ..... ! عو..............و ................و ............... !
ومضى إلى باب مغارة قريبة من البستان ورأيته يغمض عينيه تحت ظل الشجرة الحارسة وراح يلف رأسه بكفيه تارة ، وتارة يكبس على جانبي رأسه وينحني باضطهاد يتوجه للأرض ثم يبصق ............. !
أدرت ظهري بعد أن ذرفت سقياً للأرض دمعتين ... !
وهمهمت : ينتظرني في إغفاءة أهل الكهف عاماً محشواً بالبذار لن أفتح عليه حتى تعبق رائحة القمح الديار وترش بذور الشومر عطرها السحري !

* * * * * * * *
صحا على هسيس الخضرة الطازجة تفوح من طراوة الشومر اليانع ! وحضرإلي أنعم من قبلة على خد ورقة نعناع بكر ، حين ذاك الصباح جاءني حاملاً نفس الإضمامة القديمة التي تكسرت على كتفيه واختطفها خوفاً منها ! تلك المكسوة جذورها بالتربة المتحجرة ووريقات الشومر تهفو للتساقط مع بذورها البازغة المتسنبلة المسنونة ! اتقد أمامي بابتسامة وقال :
يا شقية ..... ! أنا تحت أمرك ، أعيدي صفعي بضمة الشومر المسنونة ، أعشق تربة قدميك ، فلقد مرقت عند مغارة الكهف طوال عام مئات الناعمات الجميلات ، وقد فرغت أكفهن من إضمامات الشومر ومن وعثاء التراب ، فقلد مرقن مغتسلات من التراب لامعات وكأن التراب لم يظفر بأثواب الصبايا منهن ، ولا أثر للتراب على أكمامهن بتاتاً ! وكأن الأرض لم تمر بخواطرهن يوماً ، اشتممت ذلك جيداً ! سامحيني وتسربلي بالشقاوة كما تشائين ! امرعي الأرض جيئة ورواحاً على جسدي ، وكنسي صدري بضمة الشومر حتى ينقى من شعيراته الرجولية الهوائية!
طويت صدغي وأبديت استغرابي جيداً وقلت بلهفة المفاجأة الرتيبة : ولم لا أكنس صدرك بكفي الخشنتين .... ؟ حتى يتحول إلى بركة الرجولة الأرضية ؟
قال : تقصدين الترابية؟
والتوى طاعناً تنهيدة المفرد الوحيد وقال : كما تأمرين .... فأنا أحتاج لكفيك .... !
قلت : الخشنتين ..... ؟
قال : Yes sir
تأملت أكمامه الملتصقة ببعض أشواك الشومر حيث تتمدد الإضمامة كطفل نائم على ذراعيه وقلت : أهذا طفلنا الباكي على الأرض والتربة وقد قسا واشتد عوده ؟
ابتسم وأخفض رأسه نحو كومة الحصاد القريبة من قدمي وهمس : تكادين تصيبين الحقيقة وتعرفين النائم على أكمامي !
قلت : وأحب النائم في أكمامك أيضاً .... !
وأضفت وقهقهة شقية تتناثر على منجل أصابعي في لحظة حصاد سلس : كم أنت خشن يا صاحبي وقد علق الشومر بأكمامك ؟ صعب التخلص من أشواك الشومر ، فالشومر دبابيس .... ! دبابيس ...... ! لكنه أطرى نبتة وأرق نكهة وأذكى رائحة ، إلا أنه أقسى عوداً وأحد بذرة لا يسهل القبض عليه عند البذار ويمزق أكمام من لا يتقن احتضانه !
قال وهو يقدم الإضمامة بذراعين حانيتين : لهذا عليك الكشف عن ذراعي لتكتشفي عمق الوشم الشومري العميق وأضاف :
صحوت على إشراقة الشمس بعد نوم يشبه نوم أهل الكهف ، وإذ بضمة الشومر لما تزل ممددة على ذراعي ، وأنوي يا حبيبتي نفض بذورها على كتفيك لتنزل محملة بنعومتك في تربة عجفاء ، فتنبسط اخضراراً على تربة علمتني حبها ، فماذا تقولين ؟
قلت وقلبي ينفطر انتصاراً لخشونة الندى القادم ونعومة الاقتناع بالتربة الجافة :
وتسقيها وتتعهد مداواة أصابعك لو تجرحت من بذور الشومر الجارحة ؟
قال : وأتعهد مداواة أصابعك التي لا تحتمل كل هذه الجراح إلا معي !
قلت : والوشم الأخضر ؟
قال : وأحتفظ بوشم الشومر تحت أكمامي ما حييت على هذه الأرض ! وأحفظ العهد بأن الشومر أطرى نبتة وأرق نكهة وأذكى رائحة ، لكنه أقسى عوداً وأحد بذرة لا يسهل القبض عليه عند البذار، ويمزق أكمام من لا يتقن احتضانه !