مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

المرآة

خمس أقاصيص

بقلم : مصطفى لغتيري
 

القصة السورية

 
المرآة
  
حين تطلعت إلى المرآة، لتتأمل وجهك فيها، أذهلك فراغها.
مرتبكا تقهقرت إلى الوراء، فركت عينيك جيدا.
من جديد، حملقت في صفحتها الصقيلة. بصلف تمدد الخواء أمامك. بعد هنيهة، تبينت حقيقة الأمر: المرآة كانت تتأمل وجهها فيك.

الصومعة
      من شقته في الطابق العلوي للعمارة، تطلع إلى الصومعة.
للحظات تأمل شكلها، ثم عاد بنظره إلى داخل الغرفة.
اصطدمت عيناه بصورة " فرويد " تزين غلاف كتاب.
من موقعها في الرف، كانت تشرف على الصومعة، تتأملها بما يشبه الاستغراق.
لفترة من الزمن، شرد ذهنه، ثم شقت ابتسامة طريقها نحو شفتيه.

 
مترادفات


أمامي على المنضدة،تتمدد شبكة كلمات متقاطعة.. منهمكا كنت في محاولة إنهائها ..
في الأعلى كأس تشرب..حرف الحاء في الخانة الأولى.. الألف منتصبة في الخانة الثالثة..فقط أحتاج حرفين..فجأة لمعت في ذهني لفظة حمام أي الموت ..كتبتها.
في الوسط ..نهاية لا مفر منها..معرف..في الخانة الرابعة حرف الدال..لم أجد صعوبة في العثور على الكلمة..الردى..أي الموت..كتبتها.
في الأسفل..مرتبط باللحد..الحرف الأخير التاء..لم أفكر في شيء..فقط كتبتها..الموت..لحظتئذ تسلل بعض الضجر إلى نفسي.. فقدت الرغبة في إنهاء هذه اللعبة التافهة..
وضعت القلم..شرد ذهني قليلا..حين عدت ببصري إلى المنضدة .. اختفت الشبكة .


احتمالات


أخذ الكتاب بين يديه..متلهفا طفق يقلب صفحاته..فجأة تملكته بلا رحمة فكرة أن يتسبب الكتاب في موته..
احتمال أول ..إنه يقرأ حكاية الملك يونان والخكيم دويان من كتاب ألف ليلة وليلة.
احتمال ثان..إنه يقرأكتاب اسم الوردة لأمبرطو إيكو.
احتمال ثالث إذا تعرفت على هذا الإحتمال..فإنك –بلا جدال- تستحق صفة مثقف.


نيزك


رأت جدتي ضوءا لامعا،بسرعة خاطفة يمرق في الفضاء..متأثرة نظرت إلي مليا،ثم قالت
عمر أحدهم انقضى يا بني..نجمة ما سقطت.
أجبتها
ليس ذلك سوى نيزك،دخل الغلاف الجوي فاحترق. —
نظرت جدتي إلي مليا،ثم قالت
لفد أفسدت الكتب عقلك يا بني

  تـــــــــــــــــــــوق
قصة قصيرة
بقلم :مصطفى لغتيري

laghtiri1@yaoo.fr

             هناك في قمة الجبل، لمع ضوء، ثم اختفى... لم يلمحه – أول الأمر – إلا قلة، فلم يجرؤ أحد على تأكيد رؤيته.. انشغل الذين رأوه بأشيائهم الخاصة... لكن ما إن سطع في الليلة الثانية حتى تحركت الألسن.. تهامس الناس فيما بينهم.. التقطت آذان الصغار ما حرص الكبار على تمريره – سرا – بينهم.. فتداولوا نبأ الضوء، الذي ينبلج فجأة أعلى الجبل، ثم يختفي كما ظهر.. تنافسوا في تفسيره.. هامت عقولهم الصغيرة في احتمالات لا حصر لها .. لكن الإجابات تعددت وتناقضت في أكثرها.. كان لظهور الضوء، في الليلة الثالثة، تأثير أقوى على القرية.. لم يعد من الحكمة تجاهله.. تطلع الناس، حين انبلج الصبح، إلى مصدر الضوء، فلم يظفروا بشيء... ترنحت الحيرة على وجوههم، وتسلل القلق إلى الأفئدة.. اجتمع الرجال بعد الصلاة.. تداولوا في الأمر، فتباينت آراؤهم.. انقسم الجمع إلى أكثر من فريق.. هناك من رأى ضرورة فعل أي شيء.. ومنهم من سفه الأمر من أساسه، وفريق ثالث ظل التردد يراوده.. تسلل ثلاثة أطفال إلى الجمع، يسترقون السمع، علهم يفهمون شيئا.. لكن ما إن انتبه الرجال إليهم حتى هموا بطردهم.. ابتعد الأطفال، وارتكنوا في مكان غير بعيد.. شيء ما طفق يتسلل إلى أجسادهم الصغيرة.. أحسوا بتأثيره دفعة واحدة، فبدا ذلك على سحناتهم.. تمدد ألق مثير عبر أجسادهم، ليستقر في محاجرهم.. فاكتسبت عيونهم بريقا خاصا.. همهم أحمد " لابد أن نعرف ما يحدث".. ارتعشت أجسادهم وهي تستقبل الكلمات التي تردد صداها في دواخلهم.. تبادلوا النظرات.. رمى خالد السؤال وكأنه يلقيه على نفسه "ولكن كيف؟" وبحركة عفوية تقهقر الصغار نحو الظلال المستلقية على امتداد الجدار المتداعي .. الجدول المترقرق في الجهة الموازية للجدار، يبعث خريرا، لم يحفل الصغار به.. لكن أيمن – أصغرهم – مد بصره على امتداد مجرى الماء.. رمق امرأة تتطلع إليهم في فضول زائد، فحذر صديقيه.. انخرط الجميع في الركض.. لم يتوقفوا إلا وهم في مأمن من أعين الفضول.. تساءل أيمن " متى نذهب ؟" ران صمت ثقيل.. أجال أحمد بصره في كل الإتجاهات ثم أرسل الكلمات بحذر شديد:" الليلة " تسرب الوجل إلى القلوب.. داري كل منهم خوفه بالعبث بما لديه.. قذف أحمد الأحجار برجله، فيما تناول خالد حجرا.. صوبه نحو شجرة، فانتفضت مجموعة من الطيور، وطارت دفعة واحدة.. الإحساس بصعوبة المهمة ألقى بظلاله على الصغار.. غير أن شعلة من الإصرار تأججت في أعماقهم.. من الصعب إخمادها.. اتفقوا على الوقت المناسب للقائهم.. ثم تفرقوا في اتجاهات مختلفة..

ما إن انتشر، في أجواء القرية، غبش أول الليل ، حتى التأم جمع الصغار.. تقدموا في صمت نحو الجبل.. أقدامهم الصغيرة تتصادم بالأحجار المتناثرة في السفح.. الجبل يتسامق شامخا، جبارا، يطاول السماء.. يكاد يلامسها.. الطريق الملتوي يضيع في تفريعات لا حدود لها.. البرد المتسرب من ثنايا الجبل حرك في أجساد الصغار ارتعاشة خفيفة.. ما فتئت تتوطد مع مرور الزمن.. كان السير في بدايته، هينا خفيفا.. التفتوا إلى القرية.. لاحظوا أنها تنأى عنهم تدريجيا.. إنها تبدو من هذا المكان المرتفع، كثلة من السواد، يصعب تحديد تفاصيلها.. توغل الثلاثة في الجبل.. المسافة تتسع فيما بينهم.. شيئا فشيئا أضحى السير ثقيلا، متعبا.. أحس أيمن أنه يتأخر تدريجيا، فصاح " انتظراني.. لقد تعبت ".. التفت أحمد إليه مشجعا " يجب أن نسرع، وإلا لن نصل أبدا " خطوات خالد تجاري قدمي أحمد.. أصر أن يلازمه رغم التعب الذي أخذ يتسلل إلى أوصاله.. إحساس بالأمان يلفه وهو يلتصق به.. فكر أيمن أن يقلص المسافة التي تفصله عن صديقيه.. ركض، غير أن قدمه اليمنى اصطدمت بصخرة.. انفجرت من أعماقه صرخة تردد صداها في جنبات الجبل.. انذهل صاحباه.. توقفا عن الحركة.. ثم تقهقرا نحوه.. بصعوبة تبيناه وسط الظلمة.. كان يتلوى من الألم.. أحاطا به، وهو ينشج ممسكا برجله.. حاول أحمد أن يفحص قدمه، فندت عنه صرخة قوية.. جلس الصديقان بجانبه وقد تسرب إلى قلبيهما إحساس بالفشل.. بكاء أيمن لا يتوقف.. أحمد يحاول تشجيعه.. فيما كانت عينا خالد تجولان في رحابة الجبل وشموخه وهو يقاوم البرودة المتسللة إلى جسده.. فجأة صاح منبها صاحبيه " انظرا .. هناك.. في تلك الناحية ".. انعقدت ألسنتهم، وهم يرنون بذهول إلى الضوء، الذي انبلج في قمة الجبل، متوهجا، شديد اللمعان.. وماكاد الثلاثة يتخلصون من ذهولهم حتى اختفى الضوء، مخلفا حسرة تعتصر قلوبهم.. فقد ضاعت فرصة معرفة مصدر الضوء.