مقاطع من
الأعمال الكاملة
لإنسان آلي

شريف الشافعي*

إهداء
إلى الهواءِ الفاسِدِ،
الذي أجْبَرَنِي على فَتْحِ النافذةِ
"البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"
أقودُ سيارتي منذ عشر سنواتٍ
ببراعةٍ حَسَدَتْنِي عليها الطُّرقُ
المفاجأةُ التي عانَقَتْنِي
أنني فشلْتُ في اختبار القيادةِ،
الذي خَضعْتُ له خارج الوطنِ
الضابطُ أخبرني
أنني أطلْتُ النظرَ إلى المرآة
صَارحْتُهُ بأنني معذورٌ في الحقيقةِ
كانت نيرمانا جالسةً في المقعدِ الخلفيِّ!
رغم عدم حصولي على الرُّخْصَةِ
شَعرْتُ بسعادةٍ لا تُوصَفُ
لأنني تَمَرَّنْتُ على قيادة ذاتي
في المشاوير الاستثنائيّةِ
* * *
لستُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ الفضاءِ
بعد أن امْتَلَكْتُ أكثرَ من ألفِ فضائيّةٍ
في حجرة نومي
(ربما هذه الفضائياتُ هي التي امْتَلَكَتْنِي
وَأَسَرَتْ آدميَّتي بصورها المتلاحقةِ)
لا أزالُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ "نونا"
والغوصِ في أنسجتها ببذلةِ الفضاءِ
بعد فشلِ الطَّبَقِ والدّيكودر
في التعامل مع إشاراتِها القريبةِ والقويّةِ
* * *
لَمْ أكن محتفظًا بقدْرٍ كافٍ من التركيزِ
ربما بسبب آلام الظهرِ،
التي زادت حدَّتُها مع طول فترات الجلوسِ
في المكتب وفي المنزل
لذلك أخطأ إصبعي في نَقْرِهِ لوحةَ المفاتيحِ
كتبتُ "Normal"
بدلاً من "Nirmala"
هنا ابتسم مُحَرِّكُ (Yahoo)
بحنانٍ مفرطٍ
نساءُ الأرض كلهن زُرْنَنِي في تلك الليلة
طيورُ الزّينةِ كلها دَاعَبَتْ مُخِّي بلطْفٍ
كان أمرًا محرجًا حقًّا
أن أتثاءب عدة مراتٍ
بل أنام فعلاً
قبل أن أوزّعَ الحلوى على ضيوفي
مع أن الكَرَمَ من كروموزوماتي الوراثيّةِ!
* * *
في آخرِ ليالي الحربِ القذرةِ
بدأ القصفُ الجوّيُّ هادئًا
ثم اشتدَّ فجأةً
الجيرانُ كلّهم
في شارعنا المزدحمِ
فرّوا إلى الخنادقِ الجماعيّةِ
بمجرّد استماعِهم لصفّارةِ الإنذارِ
أطفأْتُ أنوارَ المنزلِ بسرْعَةٍ
تسلّلْتُ وحدي من السلالِمِ الخلفيّةِ
قاصدًا خندقًا انفراديًّا
بَنَتْهُ نيرمانا خصيصًا لأجلي
في غفْلةٍ من عيونِ الغزاةِ البرابرةِ
مرّتْ ساعتانِ بسلامٍ
شعرْتُ خلالهما بأنني طائرٌ في قفصِ الحريّةِ
لَمْ أعلمْ ماذا حدث بالضبطِ بعد ذلك
لكن الأمر شبه المؤّكد
أن الصاروخَ الذكيّ
اخترقَ الخندقَ من فتحة التهويةِ
وَحَوَّلني إلى بقعةٍ حمراءَ على حائطِ المقاوَمةِ
مع أن قذيفةً صغيرةً مسيلةً للدموعِ
- أو حتى مسيلة للّعَابِ –
كانت كافيةً جدًّا
لإغراقي في بحرٍ عميقٍ
شديدِ الملوحةِ والوحشيّةِ
* * *
تتمنّى ساعةُ القلبِ
لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً
فتدقّ دقّتينِ مثلاً
في تمامِ الواحدة!
هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ
- حاشا -
الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ
كلّ ما في الأمر،
أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا
أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ
من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها
* * *
آثارُ أحذيةٍ على الرمالِ
تؤكّدُ أن الجنودَ مَرُّوا من هنا
في طريقِهِمْ إلى الحدودِ والأسلاكِ الشائكةِ
ربما لتأمينِها بأسلحَةِ الماضي
وربما لإزالتِها تمامًا
بأسلحةِ المستقْبَلِ
رمالُ نيرمانا وغبارُِها الذّرّيُّ،
فوق جِلْدِي وَجِلْدِ حذائي،
تؤكّدُ أنها اخْتَرَقَتْ حدودي وأسلاكي الشّائكةَ
عابرةً من مكانٍ ما
إلى مكانٍ ما
* * *
يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ
فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا
وينبض بحياةٍ
لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي
نيرفانا
"صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
"كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!"
"تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا
لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ
الْمُنْهَكِ
وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفةِ
لماذا لَمْ تظهرْ نيرفانا
في الصورةِ الديجيتال التي الْتَقَطتُها لها؟
وهل حقًّا أنا عندي هاتفٌ؟!
* * *
سألَتْنِي نيرما عن طقوسِ العشقِ المتداوَلَةِ
في كوكبي الترابيِّ الذي أَشْهَرَ إفلاسَهُ
قلتُ لها:
"هي ضرائبُ خاصةٌ جدًّا
يحسبها المرءُ بدقّةٍ متناهيةٍ
إذ تجبُ عليه 25 قُبلةً لصاحبتِهِ
عن كل ساعةٍ قضاها في سريرٍ آخرَ غير سريرها"
قالتْ لي بلهجةٍ ترابيّةٍ ناريّةٍ هوائيّةٍ مائيّةٍ
من داخلِ ناموسيّتِها الْمُحْكَمَةِ
بعد أن أحْدَثَتْ بها فتحةً كبيرةً
بحجْمِ ما تمزّقَ من حيائِها وحيائِي:
"لكَ عندي إذن 750 قُبلةً
إجمالي مستحقّاتِكَ من عواطفي الملتهبةِ
على مدار 30 يومًا"
* * *
أحضرُ عادةً مسابقاتِ الجمالِ
للتأكُّدِ من أن الذي أبحثُ عنه ليس موجودًا
أحضرُ عروضَ الأزياءِ
للتأكُّد من أن العُرْيَ التامَّ لا يزالُ أفضلَ
أحضرُ جولاتِ المصارعةِ
للتأكّدِ من أنني الألَمُ الذي يفوق احتمالَ البشرِ
أحضرُ المناسباتِ العائليّةَ
للتأكد من أن هناك أيامًا
بطعمِ فصولِ السّنةِ الأربعةِ
أَحْضُرُ حَفْلاتِ توقيعِ نيرما كُتُبَها الجديدةَ
للتأكّدِ من أنني كتابُها القديمُ جدًّا!
* * *
الجلبابُ الأخيرُ،
الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ "نتيجة
الحائطِ"
أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ
حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الفشلِ
حاوَلْتُ خلالها اصطيادَ نيرمانا العاريةِ