|
د رضا صالح
خليفة
rdkhalifa@yahoo.com
أفق
http://ofouq.com
كنت
أيام الدراسة الابتدائية أتردد من حين إلى آخر على محل بقالة بالقرب من منزلنا؛
سمعت صراخا من الجهة المقابلة في الشارع الضيق؛ انتبهت فوجدت صاحب ورشة سيارات،
وكان رجلا ذا رأس أصلع ضخم؛ مفتول العضلات؛ له صوت جهوري يسمعه الشارع كله؛
رأيته وقد أمسك بذراع سعيد، وكان أصغر مني بكثير، وأحيانا كان يلعب معنا الكرة،
أو لعبة الاستغماية، وفي رمضان كنا نلعب سويا مع أطفال آخرين بالبمب والحبش؛ أو
نتجول في الشوارع.
* * *
رأيت سعيدا لا يستطيع أن يفلت من هذه اليد القوية الجبارة.
بين الحين والآخر يتصاعد صراخ سعيد خصوصا عندما يضغط الأسطى على الذراع الرفيع
بعنف ويقرصه. ينظر بعض المارة إلى المنظر ولا يأبهون، يمرون في طريقهم مؤثرين
السلامة.
في لحظات قليلة وجدت أحد العاملين في الورشة وقد أمسك بالولد الصغير بسهولة -
كمن يمسك فرخة - ورماه على كنبة عالية قديمة ملقاة أمام الورشة، وفي الحال أمسك
بسلك (واير) سميك، يبدو كان مجهزا لتلك المهمة - وأخذت صاحب الورشة العزة
بالإثم عندما دخل إلى الورشة وخرج في الحال حاملا في يده عصا غليظة؛ والشرر
يتطاير من عينيه وهو ينظر إلى الطفل الملقى أمامه قائلا:
- سأوريك يا ابن الكلب، نهايتك على يدي إن شاء الله.
سكت الصراخ قليلا، ربما يكون قد فقد النطق من حالة الرعب.
اقترب أحد المارة وقد أخذته الشفقة قائلا:
- ماذا فعل الولد يا أسطى ؟
- يستغفلني
- يعني إيه ؟
- زبون أعطاه 50 قرشا، ولم يقل لي..
- وما المشكلة ؟
- تقول وما المشكلة ؟ بعدها يسرقني..عرفت يا باشا.. عرفت المشكلة يا حبيبي.
في الحال كان عامل الورشة قد أحاط جسد الطفل الصغير بالواير، وربطه بإحكام في
الكنبة المرتفعة، يتابع الأسطى الموقف، حتى إذا انتهى قال له:
- ربطته جامد
- نعم يا أسطى
- أوعى من وشي
* * *
هبط الأسطى بعصا غليظة كانت في يده على قدمي الطفل المربوطتين بإحكام، تصاعد
صراخه مرة أخرى، حاول أن يحرك قدميه وساقيه ليتخلص من شدة الألم، لم يفلح
بالطبع، جاء رجل مسن يرتدي طربوشا، زغد الأسطى في ذراعه برفق لينبهه إلى حضوره،
ألقى الأسطى عليه نظرة وهو منهمك في مهمته، قال المطربش العجوز :
- حرام عليك يا أسطى
- حرمت عليه عيشته
- لماذا يا أسطى ؟
- من أفعاله
- لك أن تطرده من الورشة
- أمه لا تريده أن يترك العمل؛ بالعربي لقد تزوجت، وزوجها لا يريد أن يراه.
فهمت يا سيدى؟؟ وألا أقول تاني ؟؟؟ طريقك أخضر يا حاج..
احتار العجوز ومصمص شفتيه وأخذ طريقه الأخضر قائلا :
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
لا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
تحلق الناس آملين أن يروا حلا مناسبا؛ وأن يشفي أحد غليلهم من هذا الوحش الذي
لا يجد من يردعه، تجرأ أحدهم وقال مندفعا :
- إذا لم تسكت سوف أبلغ النجدة
رد عليه هازئا :
- النجدة ..ها ها ...روح لحالك، خّلي يومك يعّدي
* * *
تجمع كل الألم وكل العذاب - عذاب الدنيا - في هذه اللحظات؛ في هذا الجسد النحيل
الممدد مصلوبا؛ لكي يعاقب دون رحمة على جرم لا يعرف كنهه؛ أو على ذنب لم
يرتكبه؛ ولكي يزداد كرها للحياة والأحياء ويزداد خوفا من كل شيء، ويتجرع كأسا
أهون منها الموت، فقد أعطاه أحدهم خمسين قرشا اشترى بها كيسا من الشيبسي، راح
يأكله في الورشة ليسكت به ثعابين بطنه الجائعة، رآه الأسطى عند حضوره في
الصباح، استجوبه؛ حاول الطفل ببراءة أن يثبت براءته؛ لكنه لم يفلح أمام هذا
المصرّ على العقاب، هكذا أرتأت تلك النفس المريضة، وهكذا يفكر ذلك الأسطى الذي
يعبر عن إفراز بغيض لمجتمع مريض؛ لم يعرف الطفل ماذا يقول؛ هكذا كان سعيد.
تورمت قدماه من الضرب المتتابع دون رحمة، وأدمت عيناه من البكاء حتى تقطعت
أنفاسه وسكت أخيرا.
ظن الأسطى أن الولد إنما يمثل عليه مثلما حدث - في اعتقاده - منذ لحظات، وتابع
ضرباته بذلك السوط الرفيع الذي ألهب به جسد الفتى الصغير وأدماه، ولكن الطفل
استمر ساكتا عن الصراخ.
ناداه عامل الورشة:
- ولد يا سعيد.. يا سعيد ...
حاول أن يفيقه برش الماء على جسده من علبة صدئة...
لم يجب سعيد ..
نظر إليه الرجل وحدق في وجهه، وحاول تحريكه بيديه ولكنه لم يستجب، فقد انتقل
إلى عالم آخر؛ نادى عليه مرة أخرى، تأكد أن سكوته هذه المرة كان أبديا، فقد
أصبح سعيدا حقا. |