
قصة قصيرة

لبنى محمود ياسين*
القصة السورية
******
كل
يوم ادفن نفسي في السرير لاشعر بيديه تضغطان على رقبتي ...و اشعر بالدموع و قد
أصبحت محيطا باردا غرقتُ بين أمواج حزنه العاتية.
منذ بلغت السابعة من عمري و أمي ترسلني كل يوم إلى جدي في البناء المجاور لنا
لآخذ إليه الطعام و آتيها بالأواني الفارغة و لاجيب مطالب جدي التي لم تعرف
يوما حدا لبشاعتها.
قبل أن يحدث ما حدث كنت ادخل إليه بقلب مفعم بالحب , أضمه و أقبله و أقفز حوله
كأرنب صغير و أخطف منه أصابع الحلوى بفرح طفولي غامر ... بعدها صرت ادخل إليه
مفعمة بالهم و الأسى , ذلك الهم الذي كنت صغيرة جدا على إدراكه , لكنه ادركني
وجعلني كل مرة اخرج من منزله غارقة بالشعور بالذنب و بشعور بشع بالقذارة بات
يتعشق كل خلاياي و يجثم صخرة كبيرة فوق صدري ... و من وقتها راح يكتنفني شعور
بالغثيان جعلني أتمنى أن أتقيأ كل قرفي مرة واحدة ...لكنني لم اكن أستطيع فاجري
إلى أمي لاطلب منها أن تغسّـلني فتردني قائلة انه ليس وقت الاستحمام .
لم استطع أن اردعه مرة واحدة ... كنت ابتلع قرفي و دموعي و ذلك الشعور القاتل
بذنب لم اقترفه بينما أتحول تدريجيا إلى كائن تتجّمع على جسده الصغير كل أنواع
القذارة , أمي قالت لي أن الكبار دوما على حق و أن علي أن أطيعهم و لم تخبرني
مرة واحدة ماذا افعل إذا شعرت في أعماقي أنهم ليسوا على حق و أن ما يفعلونه قذر
جدا و ليس بصواب , أما أبي فقد قال لي مرات و مرات احذري الغريب يا صغيرتي , لا
تتكلمي مع الغرباء و لا تقتربي منهم و لا تدعيهم يلمسونك , ووددت لو صرخت مرة
واحدة : بل احذر أنت أقرب الناس إليك , احذر أباك , أبعد أصابعه القذرة عن جسدي
. لكنني لم افعل , و كثيرا ما سألت نفسي ِلـمَ لم افعل ؟ ِلمَ لم اخبر أمي أو
أبى ؟ ِلمَ لم تسألني أمي مرة واحدة عن السبب الذي يجعلني اطلب إليها أن تغسلني
كلما عدت من منزل جدي ؟؟!! ليتها فعلت , ربما استطعت أن أبوح لها بالسر الذي
زلزل كيان طفولتي و اغتال بريق الفرح من عيني و حول ليلي إلى عرض متواصل من
كوابيس دمرت سكون نومي , لكنها لم تفعل.
أخضعني جدي لطقوسه القذرة حتى بلغت الرابعة عشرة من عمري, ثم توقف عن ذلك
تلقائيا , تراه خاف بعد أن بدت علي معالم الأنوثة أن افهم ما كان يفعله ؟؟ أم
أن الكبر هد البقية الباقية من قذارته ؟ لست ادري ... كل ما اعرفه انه توقف
تماما و لم يعد ينظر في عيني أبدا , بل انه كان يتحاشى أن يكلمني و ذلك ما اثلج
صدري و أزاح جزءاً من عبء وجوده الذي اكرهه عن كاهل أعصابي و لو أن نزيف مشاعري
لم يتوقف لحظة واحدة .
بدأت سن المراهقة و لم ابدأ معها لعبة الأسرار , ذلك أني تمرست بتلك اللعبة
تماما بفضل جدي و لم يعد صعبا علي أن اخفي نزيفي و جراحي و خوفي و حتى قذارتي
... كل ذلك كان سهلاً جدا علي ... لكن الصعب كان دخولي إلى سريري حيث تبدأ
أصابعه كل ليلة بالإطباق على رقبتي فتتحشرج أنفاسي و أصرخ دون صوت و تغرق مخدتي
في دموع الألم و نزيف الأحاسيس.
بعدها تعددت مشاويري برفقة الأصدقاء و بدأت أمارس امتدادات تلك الطقوس , لم يكن
جدي هذه المرة من يجبرني , بل كان شيئا خفيا في داخلي يدفعني دفعا لاستجيب لأي
إشارة من أي شاب أو رجل و امضي برفقته و أمتع نفسي بعدها بتمزيقي له واللعب
بأعصابه , كنت كتمثال من الجليد لا املك إحساسا تجاه أي واحد منهم ولا حتى
قليلاً من التعاطف ... كل ما كان يعنيني هو تحطيمهم وإتعاسهم وإفلاسهم وتمزيق
أسرهم و هدم استقرارهم و رميهم ورائي, بعدها كنت اشعر بالرضا و الفرح , أشعر
أني انتقمت من جدي و قتلته , كنت اعلم تماما أنني اقتله مع كل دمار اسببه لأحد
هؤلاء , و كنت استمتع بقتله و تعذيبه مع كل تدمير اسببه لواحد من جنسه البغيض
... و أتلذذ بما افعله كما يتلذذ طفل بأكل الحلوى .
أعود بعدها إلى منزلي ليختفي شعوري بالنشوة بمجرد أن تضمني جدرانه ... و أرجع
طفلة لم تتجاوز العاشرة واسمع صوت أمي وهي تردني عن الحمام فينفلت شعوري
بالقذارة ليطال كل شئ حتى الطعام , و أعاف كل شئ و امضي إلى سريري , و بمجرد أن
أخبئ جسدي في وحشة ظلامه أعودلأشعر بأصابع جدي تلتف حول رقبتي فأصرخ دون صوت من
جديد بينما نزيف مشاعري يجتاح كل شئ في طريقــه .
--------------------------------------------
*لبنى محمود ياسين
سورية مقيمة في
السعودية / الرياض
ylubna@hotmail.com