صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 

مبادرات

أسكت يا قلبي حتى الصباح

قصة واقعية

آسيـــــــــــــــا بـــــــوفنار

 

   لقاعة المحاكمة نافذة تطل على جهنم .

و بآخر رواقها عيون سنوات القيد لحريته .

كان ينظر بعيون الخوف على نعته مستقبلا بعد قضاء محكوميته ، هو لم يخش السجن و لم ينتبه هذا الخوف البائن في عينيه لحظة القتل ..

كان عند القتل قرار نابع  عن قناعة و إيمان بما كان يجب فعله .. و حتى أنه لم يخش الله حينما قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ، هكذا كان مقتنعا : أنه قتل هذا الرجل عن حق.

كان أخاه بجانبه في قفص الاتهام ، أراد عبد الحق أن يتحمل المسؤولية الجزائية عن هذا الجرم لوحده .. و عبثا حاول مع القاضي أثناء التحقيق معه هو و محاميه  إخلاء مسؤولية صابر أخيه الأصغر منه في جريمة القتل هذه .

قبل المحاكمة و بعد إتمام إجراءات التحقيق تم إرسال مستندات القضية إلى السيد النائب العام من أجل إبداء رأيه ،، فتقدم المحامي بمذكرة طلبات آملا في اقتناعه بانتفاء وجه المتابعة اتجاه صابر مفادها :

هيئة المحكمة : إن هذا ما صرح به المتهم عبد الحق سواء في الضبطية القضائية أو أمام التحقيق و إنه مما سبق يتجلى واضحا و ثبت من الاعتراف الصادر عن المتهم عبد الحق أنه هو الفاعل دون عقد العزم أو الترصد بل إنه قتل الضحية و هو يفاجئه مع والدته في عمل مشين بارتكابهما جريمة الزنا و من ثم يقتضي إحالة المتهم عبد الحق بتهمة القتل العمدي دون أي ظرف تشديدي  .

و أما فيما يتعلق بالمتهم صابر فهو لم يشارك في القتل بل نقل الجثة مع أخيه و من ثم فإننا نلتمس إصدار أمر الانتفاء بالنسبة لهذا الأخير لعدم ثبوت قيامه بأي فعل ضد الضحية قبل وفاته لأن المشاركة تقتضي أن يكون صاحبها قد ساهم في الفعل الإجرامي الذي هو القتل في قضية الحال "

لم يستطع اعتراف عبد الحق بتنفيذ الجريمة لوحده و لا دفاع المحامي أن يحولا دون اقتناع السيد النائب العام بثبوت الجرم في حق عبد الحق و صابر معا و من ثم إحالتهما على محكمة الجنايات ليحاكما.

اقتيد عبد الحق و صابر إلى قفص الاتهام بقاعة المحاكمة للجنايات .

كان صابر يرتعد خوفا .. وجهه شاحب و عيناه غائرتان ينظر تارة إلى القاضي و طورا إلى الجمع الذي كان يملأ القاعة متجها بنظره إلى والده الصامت و الذي اتخذ من المقعد المحاذي للحائط مكانا له في الصف الأول .

أحس الأب أن ابنه بحاجة إلى كلمة تشجيع منه فقال له :

- لا تخف يا صابر .. سيحمل القاضي المسؤولية كلها لعبد الحق فلا تخشى شيئا .

ثم اطرق برأسه يخفي تشاؤمه الممزوج بثقل هذا الشعور الذي حملته له و لعائلته زوجته ،  فلا هو قادر على استعادة كرامته و رجولته بإبقائه الاتهام ضدها بتهمة الزنا فتحاكم على الأقل على ذنبها الذي لم يستطع أحد تبريره لأن أولاده التسع بحاجة إلى أمهم ... و لا الصفح عنها فينقذ أولاده من التشرد و لكن عار و خزي صفحه عنها سيلازمه طوال حياته .

في غفلة من تفكيره المضني راح يرفع رأسه ليحاول أن يعزي نفسه و رجولته المعذبتين بملامح ابنه عبد الحق ..

هذا الولد الذي لم يشأ له القدر أن يحتفل بعيد ميلاده العشرين بعد شهرين من الحادثة حتى حمله ذنبا بقتل نفس بشريه و خزي لأم زانية و شاب ستمتص أرضية السجن المفتقرة للحياة شبابه .

عينا عبد الحق غائرتان من الوهن و التفكير في ما حل بعائلته و لكن رغم ذلك فقد كانتا تلمعان ببريق من القوة و العزم اللذان حاول أن يرسلهما لوالده ليقولا له :

-                  لا تشعر بالخزي يا أبي ، قد أخذت بثأرك من هذا السافل و لن يستطع أحد من أن يقذفك بالخساسة .

كانت محاكمة عبد الحق و صابر هي الثانية بعد الأولى التي طالت فطال أنين إبراهيم و هو ينتظر مصير ولديه ، و هو متأكد من أن العقوبة لن تقل عن 5 سنوات سجن لصابر الذي لم يفعل شيئا سوى الإذعان لأمر أخيه في مساعدته على حمل الجثة و أما عبد الحق فقد كان إبراهيم متأكدا أن عقوبته ستكون الضعف و ربما أكثر .

جسم عبد الحق كان هزيلا بعينين زرقاوين أضفيا عليه جمالا باهرا حمل جميع الحضور على الشفقة على هذا الشاب الذي سينهش من جماله سوء القدر في السجن مع المجرمين الذين استحقوا دخوله بينما وصوله إلى ذلك المكان كان دفاعا عن الشرف .

كان إبراهيم فلاحا بسيطا يقتات من عمله في أرضه مع أولاده و كعادة أهل المنطقة فإنه تزوج للمرة الثانية بوالدة عبد الحق منذ أكثر من عشرين عاما .

في بداية حياتهما كانت كلثوم هي الزوجة الجميلة التي شغلت تفكير إبراهيم قبل زواجه الأول و لكن عمه و هو والدها لم يرض تزويجها له ، حتى شاءت الأقدار أن يلتحق والدها بربه فتيسر لإبراهيم طلب يد كلثوم ، يومها أحس إبراهيم أنه كسب المرأة التي كان يحلم بها فقد كانت تتسم بالجمال دون قريباتها .

 

ญญญญญญญญญญญญญญญญ

 

انتهت المحاكمة الأولى ، خرج القاضي إلى الرواق المجاور .. غاب للحظات من أجل شربة ماء .. كانت لحظات صعبة  .. أصعب من تلك التي رأى فيها عبد الحق أمه مع رجل آخر .. و استعاد شريط الحادثة أمامه .

كانت الساعة العاشرة و النصف ليلا من ليلة أواخر الشتاء المستقبلة للربيع من شهر "شباط / فيفريي" من عام ألفين و أربعة .

عبد الحق كان بغرفة الاستقبال يشاهد التلفاز ، والده نائم مع زوجته الأخرى بعد أن عاد من بيت الضحية فقد اتفقا على السفر صباحا باكرا إلى أحد الأسواق لبيع الخرداوات من أجل جلب مقطورة لجرار .. الجميع كان نائما و الليل كان دافئا نسبيا .

خرج عبد الحق إلى الفناء المطل على البستان لأخذ فاصل بين الفيلم الذي كان يشاهده و التالي و إذا به يرى شيئا لا يصدق !! كانت والدته في وضع مخز مع رجل !!!!!!!!

هبت عاصفة هوجاء خرساء في روح عبد الحق فانتفض غيظا ثم تمالك نفسه و تقدم ببطء للتعرف على هذا الرجل .. و يا لا الهول !!!!!! إنه بشير ابن عم والده و صديقه

حينها ثارت ثائرته .. دخل بسرعة إلى غرفة نوم والديه وأخذ البندقية فهو يعلم أن والده يحتفظ بواحدة مع حزمة من الخراطيش .

أخذ عبد الحق البندقية و عبأها بخرطوشين و احتفظ بالثالث و انتظر بشير خارج المنزل .

في هذه الأثناء غادر بشير المنزل عائدا إلى بيته و عند وصوله إلى الساقية التي تبعد عن منزلهم بحوالي خمسين مترا.

وقف عبد الحق على بعد مترين من الضحية ثم أطلق عليه طلقة أصابته فوق البطن ثم أطلق الطلقة الثانية فأسقطه أرضا .

اتجه عبد الحق إلى المقتول و عندما اقترب منه دفعه على ظهره فوجد أن رأسه يتحرك مطلقا أنينا متواصلا يستدرج به أوتار الصراخ من جوفه كي يعلن عن مقربة موته ..  لكن الدجى المظلم المسكر لعقول الناس لن يوصل صراخه إليهم.

تقدم عد الحق أكثر من بشير فارتسمت صورة أمه أمامه .. استل الخنجر الذي كان يحتفظ به لاستعماله في مآرب شتى و فتحه ... أمسكه بقوة و طعنه ببطنه فيها من العزم ما يهز الجبال .. توقف بشير عن الحركة فعلم عبد الحق أنه قد مات .

عاد مسرعا إلى المنزل فوجد أخاه صابر قد استيقظ ، سأله عن والدته فقال له صابر:

-        لقد رأيتها تسرع باتجاه بيت عمي ناصر ، لماذا تسأل ؟

لم يجبه عبد الحق ،، مشى متتبعا إياها فإذا بصابر يشاهد بيد أخيه البندقية فأمسكه قائلا :

-                  ماذا فعلت يا عبد الحق ؟ من قتلت ؟ هل صوت إطلاق النار الذي تهيأ لي سماعه كان حقيقيا ؟

عبد الحق : أجل ، قتلت بشير ..

صرخ صابر من هول ما سمعه و ارتجف رجفة من فارق الحياة و قال بصوت مبحوح : قتلت بشير ؟؟؟ لماذا ؟ و كيف ؟؟؟

عبد الحق : لا تندب كالنساء فقد محوت العار بالدم و أنا متجه لأستكمل ما بدأته .. لقد كان مع أمك في ..............

صابر : ماذا تعني ؟ هل ستقتل أمك أيضا ؟

عبد الحق : و هل أبقي على العار صورة تذكارية أمامنا أم أن من قتلته وحده من كان مجرما ؟

صابر : ما الذي تستطيع فعله ؟ إنها أمك ،، فهل سيغفر لك الله قتلك لمن أتت بك إلى الحياة ؟

أطبق عبد الحق نفسه على نفسه و تأوه بأنين المصلوب على مذابح الحسرة و الألم ثم رفع رأسه و قال :

-                  إمض معي نتدبر أمر الجثة فيجب أن لا أتركها عند الساقية .. لن تكون لي   حجة أمام الناس أو أمام العدالة في قتله .. يجب أن أثبت أني قتلته في وضع الجرم .

حينئذ قام صابر بجلب النقالة اليدوية و حمل مع أخيه الجثة حيث كان القسم العلوي لها داخل النقالة و الأرجل خارجها أمام العجلة يمسك بهما عبد الحق كي لا تتركا آثار دم على الطريق .

عند الوصول إلى البستان المحاذي لمنزلهم حملا الجثة .. عبد الحق من الأرجل و صابر من اليدين و وضعاها على ظهرها .

أخذ صابر في التمايل من دوار أصابه من هذا المشهد و فجأة هم بالتقيؤ و البكاء معا .

سكت صابر و سكت عبد الحق و سكتت نسمات الليل الدافئة لتبدأ الرياح الباردة مع الفجر الشتوي في الكلام .. و أصبح المكان موحشا وحشة العار الظالم لشابين في مقتبل العمر و أم مُحِيت بركتها و قداستها ..

بعد لحظات السكون هذه نهض عبد الحق  و غسل النقالة من الدم ثم اتجه مسرعا إلى بيت العم ناصر .

انتفض صابر انتفاضة الطير الهارب من الموت نحو الموت و انطلق نحو والده ليوقظه فوجده أمام باب الغرفة فتجمد صابر مكانه .

إبراهيم : من اين جاء صوت إطلاق النار ؟ و لماذا أنت هنا ؟

 صابر : لقد قتل عبد الحق بشير و هو متجه نحو بيت العم ناصر لقتل أمي .

انطلق إبراهيم وراء ابنه فوجده أمام الباب يطرقه ، فأمسكه ، و قال له :

-        لا تستطيع قتلها يا عبد الحق .. إنها أمك ... أنت لم تخترها أما لك .. و لم تختر لها هذا القدر .. و لكنك تستطيع أن تختار بأن لا تحمل يديك و نفسك بذنب قتلك لها و غضب الله عليك ..

هدأ عبد الحق و سلم أباه البندقية ،، جلس على عتبة الباب و روى لوالده ما رآه بكثير من الخجل و الحرقة .

إبراهيم علم أن الجريمة قد حصلت و لابد أن تأخذ العدالة مجراها .. لذا فإنه آثر أن يسلم أبناءه بيده إلى الدرك .

أخرج الشاحنة و نادى العم ناصر لمساعدته في نقل الجثة على متنها و أوصاه بإبقاء كلثوم في بيته حتى يرى ماذا سيفعل .

ركب الأب و ابنيه من الأمام و في الخلف كانت الجثة و النقالة ، و عندما وصلوا إلى كتيبة الدرك تم إعلام وكيل الجمهورية بالمحكمة الذي قام بإيداعهم الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق .

 ญญญญญญญญญญญญญญญญ

 

 كان هذا قبل ثلاث سنوات  و عبد الحق و صابر محبوسين بانتظار افتتاح دورة الجنايات لمحاكمتهم ..

 

 

ญญญญญญญญญญญญญญญญญ

يوم المحاكمة :

 

بدأ القاضي في طرح الأسئلة .. لم تكن أسئلته من تؤرق عبد الحق بل هي أخرى اقتلعت ذاته من ذاته و همت بصرفها إلى الجنون ..

كان عبد الحق يتأوه كالعليل في ليل لا صبح له :

-        آه يا أماه .. هل أكرهك و الكره سيل لا يجرف غير القضبان اليابسة و لا يهدم سوى المنازل المتداعية .. لكن منزلنا كان صلبا متماسكا بعائلة كبيرة و كان الحب يملؤه فلماذا هدمته ؟؟

-        هل أشفق على ضعفك يا أمي و الشفقة تكثر الضعفاء و تنمي عدد اليائسين و اليوم أراني من يستحق الشفقة .

القاضي : هل أنت عبد الحق الماثل أمامنا من قتل الضحية بشير ؟

عبد الحق : نعم أنا من قتله .

القاضي : إذن فأنت معترف بجرمك و لا تنكره ؟

نظر عبد الحق نظرة تعجب للقاضي فيها من الاستهتار ما لا يوحي بأنه في وضع المتهم الذي سيحكم عليه بسنوات عديدة بالسجن و قال في نفسه :

( ماذا تريدون مني يا بني عشيرتي ؟ أأستضعف الحيلة أمامكم و أحنو كانحناء المكسور المهزوم كي أرضيكم ؟ أم أزمجر كالأسد و أقف منتصبا تتأفف العزيمة المؤرقة أنفاسها على انحناءات العار المورث لي و لعائلتي كي أرضي نفسي ؟)

عبد الحق : إني معترف ..

القاضي : كم عدد الطلقات التي صدرت منك اتجاه الضحية ؟

عبد الحق : طلقتين متتاليتين من بندقية صيد .

نظر إليه القاضي متوسما فيه اليسير من الذهول و الخوف علََه يستعطفه فيخفف عليه الحكم .. و لكنه وجد الغيظ النابع من حقد مترامي الأطراف في وجدانه يأبى الاستعطاف  ... يأبى البكاء  و في قلبه رغبة جامحة للبكاء يغذيها الطفل البريء الذي لا يزال يستقبل أولى صباحات الشباب و يستنشق نسماته الأولى على عجل .

 

عبد الحق عاد إلى حواره مع نفسه : ليت قلبي يستطيع البكاء يا أمي فمن يبكي يغتسل بدموعه فيظل نقيا للأبد .. و أنا لا أستطيع النحيب فأنا رجل ..

قلت لي يا أمي و أنا أقطع تذكرة السفر إلى عمر الشباب : عبد الحق لقد أصبحت رجلا و يجب أن تتصرف كالرجال فلا تضعف و كن صلبا لا تقتلعك النوائب .. كن حازما في قراراتك فإن ترددت فتلك هي التهلكة ،، لا تخيــــب ظني .

أماه كلماتك  في قلبي ترن و تــــئــن و تندب مصرعها فقد خــــــــــــــــــاب الظن .

القاضي : كيف وقعت الجريمة و ما هي أسبابك فيها ؟

( لماذا يسأل القاضي هذا السؤال ؟ تساءل عبد الحق في نفسه ، إن الملف أمامه يُلِمُ بجميع التفاصيل للواقعة ..

هل يريد أن يستشف قوتي و أنا أحاول الصمود أمام قراري ؟ أم تراه يريد إغفال حواسي فتبيح بما يثقل روحي من كلام و أنين لن يسمعه صدرك ثانية يا أمي ؟)

عبد الحق : ليس لي ما أضيفه على ما جاء في الملف .

القاضي : إذن فأنت تفضل السكوت ؟ حسن و لكن هذا لن يفيدك في شيء .

سكت عبد الحق و سكت قلبه فالفضاء لم يعد يسمعه و الأثير المثقل بالنواح و العويل الجاثمين  على قبر شبابه الذي كان يستعد لزفه على دنيا جديدة بأغانٍ و أهازيج الحياة لن تحملا أغانيه و أناشيده .

أضاف القاضي : لن يفيدك السكوت فأنت بهذا ستثبت التهمة عليك و ستكون فجيعة أهلك فيك كبيرة .

نظر عبد الحق إلى القاضي طويلا و راقبه مليا ثم أطرد في نفسه يغني :

" أسكت يا قلبي و لا تغني .

  إبتعدي يا أشباح الليل  و لا تدْنِ مني .

  أسكت فأشباح الليل لا تحفل بفجيعتك .

  فقد عبثت الأقدار بروحك و حيرت سكينتك .

  أسكت يا قلبي حتى الصباح .

  أسكت و احذر أن تبدأ بالنواح "

كان عبد الحق يكابر على ألمٍ دس أنياب مكره في صدره ،، لم يشف غليله و لم يرض غضبه قتله للرجل الذي أغرى أمه و جعلها تتخبط في دياجير الفضيحة .

هو لن يقدر على التنصل من انتمائه لها فقد حملته وهن على وهن و سهرت لأجله طول الزمن .. فماذا يفعل .. ما عساه يقول و لم يعد للقول نعت و لا صفة .

القاضي : هل لديك ما تضيف ؟ الكلمة الأخيرة لك .

عبد الحق : لا إضافة .. كل ما لدي قلته .

أغمض عبد الحق عينيه  .. عاد بفصول حياته إلى المرعى .. إلى أغنامه .. إلى الساقية التي تمرغ في وحلها كثيرا كلما حَمِي  به و بأقرانه وطيس اللعب .

كانت الساقية التي تروي الأراضي المجاورة لها  بالماء أعز ما يمكن لطفل صغير أن يحمل في ذاكرته من جمال في نظره ،، أصبحت اليوم المكان الذي يجرف معه سيل الحقد و الغضب و الحزن .

بدأ عبد الحق يتمتم بكلام غير مفهوم فانتبه إليه القاضي الذي كان يدون أخر الحيثيات من أجل إقفال باب المرافعة الخاصة بعبد الحق فأردف :

-        هل تريد أن تقول شيئا قبل أن أكمل تدوين آخر الملاحظات ؟

فتح عبد الحق عينيه و قال : يمكنك إقفال الملف سيدي القاضي .

و قال في نفسه : ليس من يحاكي الحبر كمن يحاكي الدم الثائر في العروق .. سكوتي لم يكن نتيجة لِمَلَلٍ أصابني مثلما يصيب هؤلاء  الجالسين على أكوام الترصد و شمشمة الأخبار ..

سكوتي من  ألـــــم .. فهل يستوي الألم و الملل ؟

جاء دور صابر .. كان يرتجف رجفة المحموم في ليل بارد و أسنانه تصطك بموسيقى الخوف و الوجل .

نظر عبد الحق إلى أخيه و قال : أصمد ،، لا تخف ،، سيكون الحكم مخففا عليك فأنا من قام بهذا الفعل .

القاضي : أين كنت ساعة الجريمة ؟

صابر : كنت نائما في غرفتي فإذا بي أسمع طلقات نارية ، خرجت مسرعا فالتقيت أخي عبد الحق يحمل بندقية أبي و سألني عما إذا رأيت أمي فأجبته بأنها اتجهت مسرعة إلى منزل العم ناصر .

القاضي : ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟

صابر : أخبرني أنه قتل بشير ابن عم والدنا و صديقه لأنه رآه مع والدتنا في وضع مخزٍ .

القاضي : كيف تم نقل الجثة من قرب الساقية إلى البستان ؟

صابر : طلب مني عبد الحق أن أساعده في حمل الجثة في النقالة اليدوية لأنه قتل المجني عليه أمام الساقية و كان على عبد الحق أن يثبت بأنه قتله مباشرة فور اكتشاف أمره .

القاضي : لكن هذا لا يعفيك من المسؤولية فأنت تعتبر شريكا في جرم القتل .

هنا تعالت الأصوات .. صوت صابر يستعطف القاضي و صوت والده الذي كاد الدمع  ينطق من عينيه قائلا : لا تفجعوني في ولدي الإثنين .. و صوت المحامي الذي كان يحاول تهدئة صابر و طمأنته .

الحاضرون تتقاطع كلماتهم كأسراب طيور لا تعرف وجهتها فزرعت الفوضى في فضاء القاعة ......... إلا عبــــد الحق ......

عبد الحق كان صامتا يواصل درب سكوته منتظرا طلوع فجر يطل عليه في زنزانة حياته .. منذ أن حدث ما حدث و الصمت رفيقه .

عبد الحق في نفسه : أسكت يا قلبي حتى الصباح ، فمن يترقب الصباح صابرا يلاقي الصباح قويا .

هدأت القاعة حينما قرع القاضي جرس النظام ثم أضاف :

-        هل من أقوال أخرى تدلي بها ، صابر ؟

صابر : ألتمس البراءة فأنا لم أقترف أي ذنب ،، كانت مهمتي مساعدة أخي مرغما لا راغبا .

القاضي : الحكم بعد المداولات .

دخل القاضي و المستشارين إلى القاعة المجاورة فاتجه إبراهيم إلى أبنائه :

-        صابر يا بني لا أريد إخافتك لكن يجب أن تهيأ نفسيتك فقد يحكم عليك ببضع سنوات سجن .. كن صلبا و تماسك .

صابر : و لكن لماذا فأنا لم أقم بقتل بشير ،، لقد مرت ثلاث سنوات يا أبي و أنا أحترق في الحبس لكن كان عزائي و أملي في براءتي كانا يخففان علي الشعور باليأس .

إبراهيم : لن نستطيع تغيير ما خط في القدر .. ثم نظر إلى ابنه عبد الحق و قال :

-        عبد الحق .. بني .. نحن أبناء الكآبة و لسنا أبناء المسرات لذا فلا تندم أنك واجهت العار بالدم .. لن يفهم أبناء المسرات ما يعترينا و يسكن عروقنا .. نحن لسنا بأشرار فالكآبة ظل إلهٍ لا يسكن القلوب الشريرة .. لكننا محونا العار و الشرف سلعة لا تقدر بثمن .

 ญญญญญญญญญญญญญญญญญ

بعد لحظات ، عاد القاضي لإعلان الحكم :

" حكمت محكمة الجنايات بتاريخ السابع عشر من مارس ألفين و سبعة علنا حضوريا نهائيا على المتهمين ، عبد الحق بتهمة القتل العمد و عقابه عشر سنوات سجن نافذة ، و على صابر بتهمة المشاركة في القتل و عقابه بثماني سنوات سجن نافذة ......