
قصة
لبنى ياسين
واتا
أكاد
أموت جوعا, أتضور وأنا الغني الذي أنعم الله علي بما هو فوق
حاجتي وأكثر مما استحق, وليس الأمر أنني اخضع إلى ريجيم للحفاظ على
رشاقتي, ولا أن
حمية صحية من نوع خاص فرضت علي, ولا هي وصفة غذائية عجيبة لإحدى دعاة
الميكرو
بيولوجي، ولا حتى فقدت شهيتي, كل الأمر أنني أعيش في هذا الزمن الذي
ندعوه القرن
الحادي والعشرين.
بدأت قصتي عندما كنت مولعا بتناول لحم الدجاج, لأن اللحوم
البيضاء أكثر إفادة من تلك الحمراء ولان الأسماك لا تروقني فقد اندفعت
إلى تناول
الدجاج بإفراط إلى أن فوجئت يوما ببرنامج عن الدجاج المعدل وراثيا,
والذي يستنبت
مسوخ تشبه الطيور لكنها دون ريش ولا مناقير محقونة بكميات هائلة من
الهرمونات تسري
في عروقها بدل الدم, فانتابني القرف وعزمت على إيقاف أكل الدجاج نهائيا
واتجهت إلى
أكل اللحوم, ولان لحم العجل أقل احتواء للدهون, فقد جعلته طعامي
المفضل, ولم أكد
اشد أزر عبقريتي في هذا الحل واثني على نفسي المطواعة التي لا تأبى
التغيير حتى ظهر
جنون البقر, وبالرغم من أنني لم أجد مرادفا مفهوما في عقلي المحدود
لهذا المصطلح
الطبي إذ أنني افهم أن يصيب الجنون إنسانا عاقلا, أما حيوانا غير عاقل
أصلا فكيف
يصيبه الجنون؟ تراه استفاق يوما وقد جزم بأنه لا ينتمي إلى المجترات
إنما هو نوع من
أنواع القطط وبدأ يموء ويطارد الفئران, أم انه فقد هويته تماما وظن انه
سوبر بقر
وأراد أن يطير وجن جنونه عندما لم يجد جناحيه؟ لا ادري لكنني قد أتحمل
أن أجن وحدي
دون مؤثرات خارجية, أما أن يأتيني الجنون عدوى من البقر فأظن أن ذلك هو
جنون مضاعف
سيجعلني محط سخرية من الصغير والكبير والرضيع الذي لم يبارح السرير،ولن
أتحمله
مطلقا, لذا حزمت أمري وعدت إلى تناول الدجاج المعدل وراثيا آملا ألا
تصيبني عدوى
التعديل بإحدى الطفرات العجيبة في مورثاتي الإنسانية الخاصة, ومتجاهلا
أمر
الهرمونات العالية التركيز التي تسبح بين خلايا لحومها, وما هي إلا
أيام حتى بدأ
شريط الأخبار يحمل لي أخبارا عن إعدام الطيور ليس لذنب اقترفته، ولا
قصاص لجرائم
قتل قامت بها، لكن لإصابتها بانفلونزا الطيور، ولم تلبث أن ظهرت عليّ
أعراض
أنفلونزا الطيور لتقض مضجعي.
في البداية ارتفعت حرارتي, وبدأت أصرخ وأنا أرى
الصقور والنسور تجتمع علي لتمزقني شر تمزيق وتتناولني على وجبة العشاء
الخاص بها,
وأردت أن أحلق وأطير
هربا منها إلا أن أجنحتي لم تحملني، وعلى مرمى نظري كانت القطة
تبتسم لي عن نابين كادا يفقداني صوابي , وشعرت أن ثمة عرف سينمو على
قمة رأسي وذيلا
ريشيا بديعا سيأخذ مكانه من جسدي، وبدأت أعطس عطسات عصفورية عجيبة
الصوت والشكل
والرائحة، وطفقت أوقوق كطير فقد ريشه( وليس عقله لأننا اتفقنا أن
الحيوانات ليست
بمخلوقات عاقلة), ركضت إلى الطبيب وأنا أوقوق وأزقزق غضبا وألما وخوفا
ورعبا,
فطمأنني قائلا أن هذه
الأعراض ليس لها أي علاقة بأنفلونزا الطيور, إنما هي أعراض
نفسية سببتها لي وساوس قهرية تمر بي نتيجة إشاعات مغرضة عن المرض,
أوقفت لحوم
الدجاج وبدأت بتناول لحوم الأغنام ولتذهب الرشاقة والدهون والكوليسترول
إلى الجحيم
مقابل سلامة عقلي, فإذا بي اقرأ خبر عاجل انه ظهرت حالات التهاب دماغ
إسفنجي على
بعض الأغنام في ايطاليا...يا سلام..في الدماغ دفعة واحدة!! هذا ما كان
ينقصني أن
يتحول دماغي إلى إسفنجة فيمتص كل السوائل التي تصل اليه وأمشي ورأسي
ينقط, ولا مانع
من حمل وعاء ألاحق فيه ما يتسرب ويتنقط من رأسي الأسفنجي وأجمعه، رميت
اللحم فورا
من يدي في اقرب سلة مهملات، ولتتحمل القطط الطفيلية التي لا تفارق
المزابل أمر
الإسفنج والتنقيط، وقررت أن أوقف جميع أنواع اللحوم والبروتينات وما
يشبهها اسما أو
مضمونا, لكنني تذكرت فجأة أنني لا أحب الخضار وأمقت الفواكه...فبالله
عليكم ماذا
آكل؟؟؟؟؟
تعقيب
يا الله ما أجمل هذا
النص و ما أطرفه
يا ابنتي لبنى
ذكرتيني بالرعب الذي اجتاح العالم أيام
كارثة( تشيرنوبل ) حيث انفجرت منشأة نووية في أكرانيا ،
و حتى اليوم فالكثيرون
يرفضون تناول
أحشاء الحيوانات
....
أنصح بطل قصتك ( الموسوس ) أن يكتفي
بتناول الفواكه ،
إذ لا يوجد من يكرهها في العالم على ما أعتقد !
نص رائع
أهنئك
راجيا لك دوام
التألق
نزار