الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

حماه

www.4hama.com

  أرض البدايات

قصة

 سهام بوخروف*

 

       أنا لم أكن أعلم أنّ لرحلة السقوط محطات استثنائية...عندما تدخل إلى أرض البدايات تدرك أن عبء النهاية تركناه هناك بعيدا...لم أكن أعلم أيضا أن بعض من تختارهم الأرض للبقاء هم أناس يعبرونها يحملون حقائب الموت و تأشيرة اللاّ عودة...لم أكن أدري أنك ستكون هنا عندا تنبذك الأراضي كلها، و عندما تضيق الأمكنة عليك، و تهجرك الأراضي و الجدران...و تبقى وحيدا معلقا في الفضاء، لا أرض صلبة تحت قدميك !.

أدركت الآن أنك هنا...أنك مثلي و مثل الباقين الباحثين عن أرض ليقفوا عليها.

- انظري...أصبحت تحت أقدامنا أرض صلبة.

هكذا قلتَ و قد كنتَ في الأمس القريب فقط تحيا زمن السقوط و الضياع...ترميك المسافات البعيدة من ملجأ لآخر...تتقاذفك الحدود...ينبذك بعض الناس لأنك ضيّعت أرضكَ...و يشفق عليك بعضهم لأنّ أرضك ضاعت منك.

- انظري...صارت لنا أرض...و صارت لنا بداية.

ملء فيك أخذت تصرخ بهذه العبارة...كنت كالمجنون تدق بقدميك أرضك المزعومة...أمّا أنا فكنت جاثمة مكاني، أحاول أن أصدق أنّ زمن السقوط انتهى، و إني أقف فعلا على أرض صلبة حقيقية...سألتكَ بعدما صدقتُ ذلك:

- لمن هذه الأرض؟.

قلتَ بجنون:

ـ أرضنا...أرض الأموات.

ركضتُ فجأة...كنتُ أصرخُ، أرددُ بفرح كبير كلمة "الأموات" ...و كنتَ تركض خلفي...كنتَ مجنونا مثلي تسعدُ برؤية الأموات و لقائهم...توقفتُ فجأة...اندهشتُ لأنّ الأرض كانت شاسعة، و لم تكن لها حدود...سألتكَ مرة أخرى:

- أيمكن أن تكون لنا بداية بحجم هذه الأرض.

قلتَ: يمكن.

و أخذتَ تدور على قدم واحدة كطفل صغير امتلك لعبة مسليّة...أخذتَ تقفز هنا و هناك...ترفع صوتك إلى أعلى السماء...قلتَ بتفاؤل:

 

- سنبني هنا منزلا و قربه مزرعة...سنبني مدرسة و بنايات كثيرة...كثيرة جدا و واسعة.

غادرك التفاؤل فجأة...توقفتَ...نظرتَ إليََّ...قلتَ بصوت مهزوم:

- واسعة...واسعة جدا كي لا تذكرني بالمعتقل.

المعتقل؟ !...ها أنت تذكرني بالنهايات...قلت إننا تركنا الأشياء المؤلمة كلها هناك...زمن السقوط...و القصف...و الموت و المعتقل...كل هذه نهايات...قلتَ بأن البداية وحدها هي ما سنحياها و نحن هنا مع كل الأحبة...مع كل الذين رحلوا فجأة و لم يودعونا...لم يتهيئوا جيدا للسفر الأبّدي...لم يكتبوا حتى آخر مذكراتهم...سناء...هاني...أبوجهاد...أمك الحبلى...أخي عمار...صديقك...و آخرون شهداء القصف و الانتفاضة.

قاطعتني: هؤلاء لم يمروا من هنا.

ما عدتُ أفهمك...قلتُ بحيرة:

- لكنهم أموات...لا أحد أجدر منهم ببدايات جديدة.

اقتربتَ منّي... همستَ:

- الأحياء الموات فقط من يعبرون.

لم أقل شيئا بعد كلامك...عادت إلى ذاكرتي لحظة السقوط ...تذكرت الآخرين، من يجرفهم السقوط بعيدا... ربما أخذهم إلى أرض أخرى حيث يتجمع كل الأموات...و ربما لا أرض تجمعهم...ربما مازالوا يسقطون.

كانت التساؤلات تتزاحم في رأسي...و حاولتَ أنتَ تبديد حيرتي...كررتَ عبارتك الأولى:

- انظري، صارت لنا أرض...و صارت لنا بداية.

====================

* سهام بوخروف - كاتبة جزائرية