
قصة
محمد عزوز
مائتا
ليرة يا ربي .. هذه هي المرة الأولى
التي يعطيني فيها احدهم من هذا العالم مائتي ليرة
..
إنه يقول
:
ـ هذه لك
يا سمر
..
لا..لا .. هو ليس أي واحد ، ليس غريباً ، إنه خالي الذي أحسه
كبيراً
جداً .. أنا أعرف أنه يحمل شهادة كبيرة ، ويعمل مسؤولاً في
الدولة .. نعم إنه مسؤول
وإلا لِمَ يعطونه سيارة ؟
..
لاأذكر أنني زرت بيته في المدينة القريبة رغم أن أمي
تقول أنها اصطحبتني مرة ، أصر على الإنكار .. ولكن أمي لاتكذب
، ربما كان ذلك عندما
كنت في سن لاتسمح بالتذكر
..
لقد قال لي قبل قليل أنه سيأخذني بسيارته إلى بيتهم
الكبير ، وهناك سأرى أشياء جميلة ، آرائك فاخرة ، تحف ثمينة ،
مطبخ عامر بالأواني
الجميلة المزخرفة
..
وخزني الألم الضاغط في بطتي ساقي اللتين سلخت طبقة الجلد
فيهما بسبب الحرق ، أطلقت آهة
:
ـ آخ ياربي
..
ثم كتمتها عندما تذكرت أن خالي
قد يزعل إن أنا صرخت ثانية ، وقد يؤلمه رأسه فيغادر فوراً ،
ولعله يتأخر في العودة
إلينا ، وتتأخر أكياس الحلويات والفواكه ... لقد سمعته يشكو
لأمي من صداع يصيبه
دائماً ويجبره على النوم والإعتكاف
..
ـ آخ .. ياربي
..
لماذا لايشتري لنا
والدي مثل هذه الأشياء ..؟ ثم أنه لايفعل شيئاً سوى الجلوس ،
ويمضي أيامه في التسكع
والثرثرة ومجالسة النساء .. أذكر أن خالي توسط له مرة عند أحد
المدراء فعينه في أحد
معامل المدينة ، عمل لعدة أشهر ، ثم فجأة قرر أن يعود بنا إلى
القرية ، وعندما
احتجت أمي قال لها
:
ـ يريدون أن يستولوا على البيت والأرض .. لن أسمح لهم
..
جاء بنا .. ومنعهم من هذا الإستيلاء المزعوم ، لكنه رفض أي
فرصة عمل أخرى سوى
حراسة البيت والأرض والثرثرة .. وعندما اقترح خالي ثانية عليه
أن يعمل سائقاً في
مكتب لأحد أصدقائه ،أجابه
:
ـ أنا لاأعمل أجيراً عند الناس
..
وكبت خالي ضيقه
، اكمد لونه ، لقد كان يحبنا ويحب أمي ، فصمت ، واكتفى
بزياراته القصيرة والمتباعدة
لنا
.
خالي يستعد للمغادرة ، أراه يسوي هندامه ، يقول لأمي
:
ـ الدواء
..
لاتهملوا الدواء .. ستشفى قريباً .. الحروق سطحية .. هل تريدون
شيئاً ..؟
ـ نريد
سلامتك ياأخي
..
انحنى صوبي ، قبلني ، حاولت أن أنهض إليه ، وخزني الألم
فتراجعت
..
ـ آخ ياربي
..
أخذت أتملى الورقة النقدية ، إنها حمراء جديدة لم يمسسها
أحد قبلنا ، لعل خالي أحضرها من معمل النقود ..!! كم أتمنى لو
تتاح لي الفرجة على
هذا المعمل الذي يطبع كل تلك النقود ، لقد رأيت أكداساً منها
في التلفزيون
..
قال أنها لي ، لي وحدي ، ولكن ماذا سأشتري بها ..؟
سمعت صوت محرك السيارة
التي انطلقت مسرعة ، عاد والدي بعد مرافقة خالي لأمتار قليلة
خارج الباب ، تفقد
الأكياس المركونة جانباً ، أعرفه إنه يحب الحلوى ، لعله شم
رائحتها ، سال لعابه
لمرآها ، رأيته يحاول أن يزدردها
..
رآني أتأمل المائتي ليرة ، اقترب مني
..
ـ
ماذا تريدين أن تفعلي بها ، يجب أن نشتري لك دواءاً ، هذه
المراهم التي ندهن بها
ساقيك غالية الثمن
..
ـ آخ ياربي
..
كنت أتمنى قبل أن يخطفها من يدي أن
يتركها معي حتى الغد ، أريد أن أعدد الأشياء التي أستطيع
شراءها بها ، فقط أريد أن
أعددها حتى أمل ، وسأعطيها له أو لأمي في الصباح ليشتروا لي
دواء
..
تعالى صراخي
، هذا المرهم اللعين يحرق ساقي ، وبريق المائتي ليرة وهو يدسها
في جيبه يحرقني هو
الآخر
تعقيب
أخي المبدع محمد عزوز
نص رشيق من فئة السهل الممتنع
أجدت فيه التعبير عن الحالة النفسية لطفلة
و في الخلفية عكست حالة الفقر التي تعيشها و والديها ، مقارنة
بحالة الثراء التي يعيشها خالها .
أما اللقطة الأخيرة فكانت حزينة تستدر الدمع رائع ما كتبت أخي
محمد ؛ أهنئك
نزار