الأدب  ( 1 )

 أخبار و مقالات و دراسات أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

المقال

أحن لدمشق

غيداء طباع

 

        أحن للأرصفة القديمة وأغاني الثمانيات تصدح من نوافذ المراهقين وأزهار الياسمين تتناثر على أكتافي حين أعبر تحت أغصانها بعد صباح وظهيرة كل يوم  ألملم بعضها " بسيدارة الفتوة " ..أخاف أن أدوس فوقها .. فيختفي العبق.. كما اختفت أصوات ضحكاتنا مع الصديقات فرح ولمى وفوز وناديا وفتون ورشا وبنان وهزار ورنا وماريا وريم  وهانية ومي ولونا وسلافه وجوجو ..والكثيرات .. إذ كنت لا أنتمي لمجموعة  معينة أو صديقة وحدة لأنني لا أحب التملك وأحب أن أكون حرة نفسي  .. فكنت صديقة للجميع ..ومنذ صغري لا أحب (( الشلل))...

 أحن لوقت انتهاء دوامنا المدرسي وصوت ذاك الجرس العالق صداه بأذني أبدا  ..  واسم ثانوية  عادلة بيهم الجزائري....مازال خالدا ليومنا هذا .. غائبة عنه أنا ..

 أغلقنا دفاتر وكتب ما زالت أسمائنا تشهد اننا مررنا بيوم من الايام ها هنا تاركين ما جادت به ايادينا من محاولات بائسة لمحي معالم الصفحة دون جدوى  وكم كورنا صفحات وحولناها لكرات  تتطاير بسماء الصف لطالما تساءلنا لماذا ندرس ؟؟؟ !! والمعلمة تدون الدرس على السبورة  .. أو جالسة خلف المنضدة ذات الغطاء الأغباني الأخضر وفوقه نايلون شفاف .. وديكور بسيط أو مزهرية ورودها اصطناعية .. تصحح الواجبات وتدون كلمة (( شوهد )) بالأحمر وحين تسلمنا الدفاتر  تعقد حاجبيها لأزداد خوف  ورهبة !! ..  أحن لصور معلماتنا الفاضلات التي لا تخلو من القسوة كي نكون على ما نكون به اليوم ..  ترى أين رحلوا ؟ وكم بقي منهن ؟

أحن لذاك الخوف الغامض قبل الامتحانات .. قبل حصص الرياضيات والجبر والهندسة  التي أكرهها  وحصص الفرنسي .. التي كنت أتمنى أن يحن علينا وزير التعليم ويلغيها من مناهجنا ..............

ولا أدري إن كانت تقرأني آنسة تللو ،،فأكيدة أنا لكانت ضمتني كونني أكتب بالفصحى ،،

 وأكيد لعاتبتني آنسة شمعة كوني لم أحب مادتها فعذرا منكن ..

كان يتملكني شعور غريب بأنني أضيع وقتي حينذاك بالدراسة بمواد لا أحبها وكنت شاردة الذهن  بالحصص التي لا أحبها .. أراقب حبات المطر التي تنقر النوافذ المحصنة بالحديد وكأننا في سجن .. كنت أركض بين الحصة والأخرى لاشتم عبق الأرض المفروشة بحبات المطر وحب العزيز  ..وأراقب النسوة تحت المظلات الهاربات من الصقيع مع أكياس الخضار .. والشبان ببذات الفتوة  الهاربين من المدارس من  أجلنا كي ينتظرون خروجنا منذ ساعة دخولنا للصف !! وكان الأكثرية يتباهى بسيارة والده المسروقة دون علمه ...........

كنت في الصف أحلم بقدوم الصيف ..وفي الصيف أحن للمدرسة وأتمشى تحت أسوارها .. كنا لا نعرف ماذا نريد .. نعم ولا ولا ونعم ولماذا .. هكذا مضت أعمارنا ..

 ومع الوقت اكتشفت أن هناك كما" هائلا" من الكلمات المبعثرة بداخلي بحاجة لترتيب وإعادة تشكيل  الأحرف لتصبح حياة داخل صفحة وتخرج من هوامش داخلي  المحشوة بها إذ ليس هناك متسعا لاصبع  فمعدتي متخمة كلمات وقلبي مفعم بالكلمات ورئتاي ملأى بالكلمات وكذلك بؤبؤ عيني اليمنى حرف الحاء وبؤبؤ عيني اليسرى حرف الباء .............. والقمر مازال في السماء  .. سماء شهدت ليالينا وظهور وغياب القمر .. شهدت دمعاتنا وضحكاتنا .. جنوننا  وعقلانيتنا .. سماء الشام الصافية تتداخل نجومها وتتشابك كأيدي المحبين العاشقين  الواقفين أبدا" على قمة جبل قاسيون ينتظرون قدومي كل صيف ليضموني ضمة الوليد لوالدته بعد غياب .. لتهديني حديقة أبي طوق الياسمين  ويعد السنين .. سماء شهدت حقائب فارغة وملأى غنية بالأشواق .. لشارع المطار  الطويل .. لبناء المطار القديم وطائراته التي تطير بقدرة قادر ......بأهل سوريا الأحبة ..

 لكل بناء مدخل خاص به ولون ورائحة جميلة من مطابخ الأمهات ،، ولكل شرفة حكاية وتبقى الكراسي ومنضدة مستديرة صغيرة تتسع لاكواب القهوة تنتظر جالسيها بشكل يومي ففنجان القهوة الصباحي مع زغردة العصافير شيء من طقوسنا اليومية في دمشق يتماشى مع اغاني السيدة فيروز ..

وللسيارات معرضها الدائم على ارصفة الشوارع ترى الجديدة وترى القديمة التي يخال اليك انها اتت للتو من متحف الاربعينيات  ولكنها تمشي مع حفيد مالكها الاول

دمشق تلك المدينة البهية السيدة الجميلة  الحسناء التي لا تخلو من أحزان رغم ابتسامتها بعرض جبل قاسيون ودموعها تملئ نهر بردى بالشوق والحنين ..وزخات ماطرة تهطل فوق البحر اللازوردي .. وبلدات الساحل الرائعة .. وقلعة حلب ..  وروح زنوبيا التي نشعر بها حين نلمس أعمدة تدمر .......... تراها مازالت مبتسمة للقاء أبنائها وبناتها  الذين غادروها ولم تغادرهم ؟

أحن لمساءاتك ووتر عود هارب معقود بحبل  يصل ما بين النجمة وبيني  .. أحن لعراضة سورية تزف عروسين توجهما الحب .. أحن لعناق حاراتك القديمة وأصالة أهلها .. أحن لأكلة فول نابت وبليلة .. للبوظة العربية من دامر ..أحن لصوت تصفيق الأطفال مع أغنياتهم المفضلة .. أحن لزغاريد الأمهات بالأفراح ..أحن لبساتين الغوطة لطالما رحلاتنا المدرسية كانت تحت تحت أشجار الربيع المزهرة .. أحن لثلوج بلودان وتلك الأيام ..

دمشق أنت أغنية وأنا بغربتي أرتب لك اللحن  الذي يليق بك قبل أن يليق بي

أحبك .. انتظريني لتغمريني بسعادة ... أتسمعين ندائي  ؟

من خلف  الغيمات أطل برأسي الصغير وأراك سيدتي شامخة كجبالك وعزك بأبنائك .. انتظريني فأمثالنا لا يقدر على فراقك انا المفطومة على حبك وحب شعبك ..كحبي  لأبي وأمي وإخواني ........

 

ابنة الياسمين

غيداء الطباع

ليل 24\12\2007