أحمر خفيف
رواية

وحيد الطويلة
وحيد الطويلة يضفي الواقعية السحرية على أساطير الريف
"أحمر خفيف"..حكايات النهار الأخير

يقدم
الروائي وحيد الطويلة في روايته الجديدة "أحمر خفيف" عملاً يجمع
بين الواقعية بكل تفاصيلها الدقيقة، والأسطورة بكل غرائبيتها
وملامحها التي تثير الدهشة
وما بين الواقعية والأسطورة يولد عملٌ بداعي مهم، يخطو خطوة جيدة
فوق أرضٍ بِكر، إذ ينقلنا وحيد الطويلة نقلات متلاحقة ما بين عالم
الريف والحضر، ويستدعي حكاياتٍ تتناقلها الأجيال ورموزاً لا تُنسى
ويقدم لنا معاني أكثر عمقاً لمفاهيم العائلة، الصراع، النفوذ،
الغرام، والرغبة، والأهم: كرامة الإنسان
تبدأ الرواية الصادرة عن "الدار" للنشروغلاف الفنان البارع يوسف
ليمود بمنتصف الحكاية أو قرب النهاية بقليل، إذ يرقد البطل "محروس"
في المستشفى في حالة خطرة بعد تعرضه لإصابة تكاد تكون مميتة، فيقول
وحيد الطويلة:
"النعش على باب المستشفى، والملائكة أيضاً، وإن تجولوا بسرعة في
ردهاتها القذرة حين يشعرون بالملل، في انتظار ساعته، وإن بددوا
سأمهم أحيانا بقبض روح أو اثنتين".
ومثلما بدأت الرواية بالمستشفى قبل أن ندور في شوارع وأزقة البلدة
التي تشهد قسماً كبيراً من الأحداث، ينتهي العمل الروائي بالمستشفى
حيث "النعش ليس على باب المستشفى، والملائكة تفرقت".
وما بين المسافتين، ندرك ونحترم كرامة وكبرياء محروس الذي أصبح صوت
القرية في وجه قاتل مأجور أو معتدٍ أراد الظفر بما هو ليس من حقه.
حتى شخصية أبو الليل فإنها تجذب القارىء بما فيها من متناقضات، فهو
" كل ليلة، يخرج، يفرد عباءة الليل، يشمها، يمرح في طياتها حتى
تنفرد تماماً، وتشبع من امتداداتها.
يحكي له حكايات النهار الأخير، التي وقعت في غيبته، وحين يشم رائحة
النهار الجديد خلفه، يشده من ذيله، يطويه تحت إبطه ويعود، يعود من
حارة أخرى، حتى لا يراه محروس، يسمع صوته ، ويشّتم رائحته من حارة
بعيدة آخر الدنيا"
شخصيات الرواية منحوتة بإزميل فن الوصف، ولا عجب إذاً أن يستمتع
القارىء بمتابعة مواقف وتصرفات محروس، وعزت العايق، والفناجيلي،
وأبو الليل، وإنصاف، والشيخ العناني، وفرج، وأوب العشم، وعزيزة
العمشة
الصراع على "العهد" و"البشارة" و"السر" للفوز بالوادي والميراث، هو
أحد محاور هذا العمل، إذ يقفز الصراع بين أطرافه المختلفة إلى سطح
الأحداث، في محاولة من كل طرف للفوز بالوادي الضيق. ولذا ترن في
أذني العناني مقولة صاحب العهد "إن غابت الريح ثلاثاً ،عليك أن
تسلم السر"، وبعد أن تغيب الريح لمدة يومين نقرأ حاله: " لونه
مخطوف، أصفر يابس، مثل حبة ليمون لم يشترها أحد، وبقيت وحيدة،
متغضنة، تتفرج على اقتراب نهايتها"
إلا أن للغرام نصيبه الوافر في هذه الرواية، بدءاً من عزت الذي
يراقب ابنة الشيخ العناني وهي "تنشر الغسيل، تلعب مع الحمام،
يرقبها مختبئاً خلف الأجولة، الخميرة تصعد برأسه، المراقبة تطول،
رأسه تصعد والشمس تلطشه . ترفع ذراعيها لأعلى، يتسرب الضوء تحت
إبطيها ومن تحتهما، طاقة نور"
الوصف والتعبير عند وحيد الطويلة هما ابنا البيئة، وهو حين يتحدث
عن الريف يكون في بساطته، فنجد أن يس العاشق " أخذته حبة طماطم
مسمومة وجابت أجله في لمعة عين". أما أرملته غزلان فإنها "هي الآن
تخلع، تسحب شبكة صيده من تحت الملاءة، تنام عليها كل ليلة مذ
فارقها، وعلى جسدها الحار ترميها، ليصيدها، تتطلع في المرآة، تلف
نفسها لترى جسدها، لتراه، حيث سيخرج من المرآة كعادته، يلف ظهرها
ويحتويها"
وحين ندرك أنها حكايات النهار الأخير، نصبح متورطين في تلك
الحكايات التي لا نتمنى أن ننتهي لفرط صدقها وحميميتها، ولقدرة
الكاتب التي لا تخفى على القارىء في اقتياده إلى عوالم مجهولة من
الريف الذي أصبح من المناطق المجهولة في الرواية المعاصرة
نقلة جديدة سواء من حيث المكان أو الأسلوب الروائي يرصدها قارىء
رواية وحيد الطويلة "أحمر خفيف"، التي تأتي عقب أعمال إبداعية
سابقة منها رواية "ألعاب الهوى" والمجموعتان القصصيتان
"خلف النهاية بقليل" و"كما يليق برجل قصير" .