
قصة
بقلم
:
شيخة الناخي*
’’ادخلوا
مساكنكم قبل أن تطأكم أقدامهم‘‘
قالت ذلك وهي تتعجل الخطا نحو الداخل،شخصت أبصارهم وهم يتلقون هذا الإنذار
الخطر،صاحوا في صوت واحد:
- ماالأمر؟
ردت في اقتضاب:
- لاأدري،وكررت ذلك مراراً.
وقع الجميع في حيرة من أمرها،وسادت لحظة سكون..جاء صوت أحدهم ليكسر من حدة
الوجوم والترقب..
- هل سنبقى طويلاً في الداخل؟ وهل سيتوقف عملنا؟ وماذا عن القوات؟
دارت تلك الأسئلة لتعصف بالرؤوس الصغيرة،تبحث عن أجوبة شافية..
في عتاب ممزوج بقلق قالت إحداهن :
- هاهي أحلامك ياأم صخر في طريقها أن ترى النور،لقد بقيت طوال الأشهر السابقة
تقصين علينا رياك المرعبة..
ردت أم صخر في صوت لايخلو من نبرة متسائلة:
- أليس من حقكم علي أن أنقل ماأراه؟ الحيطة واجبة،والحذر مطلوب،هل أنا مخطئة؟
أفدنا ياشيخنا الجليل..
- أنت محقة،ولا لوم عليك،ثم أكمل حديثه (سننظر في الأمر فلعل هناك خيراً)
والتفت إلى الخفير مناديا:
- أسرع وآتنا بالخبر اليقين،عجل في خطاك،تلطف،حتى لا يشعر بك أحد.
- أمرك ياشيخ
انطلق خارجاً وغاب عن الأنظار.
بدأت الأشياء تكبر وتتسع…تقبل وتدبر،ومعها كبر الهم..وضاق الحال بالشيخ
ورفقته،وشعروا بوطأة الأمر وصعوبته،أطرق مفكراً،وقد أحس بالدنيا من حوله تضيق…وتضيق،والمكان
يزداد كآبة ووحشة..مرت الدقائق مسرعة لاهثة كمرور الموت الخاطف للأحياء…
أدرك ضرورة تجميع قواه ومن معه…وامتصاص الصدمة المؤلمة. كانت لحظات صامتة،التزم
خلالها الجميع أماكنهم…وقافلة الليل تجري سراعاً،وسط خيط من سواد مظلم مخيف غطى
وجه المينة الغارقة في الذهول:
- ماذا يدور في الخارج؟
- أصوات …اهتزاز..
- ترى متى يعود الخفير؟
- تأخر كثيراً..
كثرت التساؤلات..وقطار الانتظار يشق دربه بلا هوادة مسرعاً في اتجاه أول محطة
تستقبله،صفارة الإنذار تعلو مقبلة نحوهم.
- سقطنا في الفخ.
- فخ؟!
أحاب وهو يرتجف:
- شيء مخيف.
- ماذا تقصد؟
- تكلّم.
- أتقول الحقيقة.
- …….
- ماذا تقول؟
- …….
- لا،لا يمكن أن يحدث هذا.
- إنك تلعب بأعصابنا.
لزم الصمت برهة،وسرح بعيداً…ثم تكلم متابعاً حديثه:
- ليت الساعة تقوم.
- الساعة؟
- نعم الساعة..بل القيامة.
- هاهي أحلامكم تحتضر،تسقط مصروعة في قاع نفوسكم المخدوعة،بانتصارات
موهومة..لتصلب في فضاءات مشحونة بشرارات قاتلة تكوي روحكم المسلوبة.
- كفى،حسبك ذلك…
- إنهم يتدفقون نحونا،لا أستطيع وصف مارأيت…لقد غص حلقه بالكلمات ..كان يرتعد
خوفاً،فقد تملكه جزع عظيم،جلس منزوياً ت تصاعد أنفاسه وتهبط،تدفق سيل
الاستفسارات المتلاحقة من كل الأفواه..
- دعوه يسترد أنفاسه.
- اتركوه يهدأ.
- لا داعي للقلق.
امتثلوا جميعاً لطلب الشيخ،وما أن استقر به الحال وهدأت نفسه حتى اعتدل في
جلسته،وشعر بشيء من الاطمئنان،إلا أن نبرة صوته جاءت لتكشف عما بداخله من
اضطراب وخوف.
كان الصبح قد أخذ يزحف بطيئاً ثقيلاً،وهو يرسل ومضات من نور خافت واهن للوجوه
المرتقبة الحذرة..قال لي في لهجة لا تخلو من قلق:
- عليكم بالسكينة…وجهوا دعواتكم للسماء..لا تتحركوا ..الزموا أماكنكم..دعوني
أستطلع الأمر بنفسي.
خرج دون انتظار إجابة،وقد شيعته نظراتهم الوجلة..غاب الشيخ طويلاً،وامتدت
الساعات ثقيلة عصيبة،وقد أخذت الأصوات في الخارج تزداد ارتفاعاً وضجيجاً،فإذا
بالقلوب تخفق،والأرض تهتز…والسماء ترسل إشارات الخطر،والدخان الكثيف يعلو ليغطي
سماء المدينة.
- من يذهب في أثر الشيخ؟
- من يجرؤ على ذلك؟
- الحصار محكم…
- سَنُدَكّ تحت أقدامهم…ولن نرى النور فيما بعد.
ودار النقاش طويلاً،واحتدم الكلام،اكتوت الصدور بحرارة انتظار عودة الشيخ
المهيب.
تحياتي لكم
*شيخة الناخي :
أديبة الاماراتية
مشاركة :
سارة النواف
www.alrabetta.ae