.

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

كاتب و كتاب

 

 

 

 

 

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

أحبني لتعرف من أنا

حكايات رومانسية

لبنى غانم و  إيناس حليم

 

 

 

 

إهداء

إلى من اتسعت دائرة اهتماماته لتشمل كل العالم..

وتشملنا..

إلى الكاتب والأخ والصديق/ إسلام مصباح

لبنى غانم و إيناس حليم

 

الحكاية الأولى..

 

كوخٌ..وبسمة..و قدحُ شاي تعطر بأنفاسه..

 

       كان غافيًا كالملائكة على كرسي هزاز.. لا يبرح مكانه.. كانت هي ممددة على الأرض تتوسد بعض القش الأصفر وتستند برأسها على صخرة قاسية بعض الشيء..

في كوخ صغير خالٍ إلا من ذلك الكرسي، مذياعٍ قديم يَصدر منه صوت فيروز نقيًا كبلورة، وقدحُ شاي اعتاد أن يحضره لها كل ليلة معطر ببعض من النعناع.. وبعض من أنفاسه..

"بس هلا ما بِتذَكر شكل وِجّك.. بس بِذكر أديش كان أليف...

بعدو أليف؟.. بَعدك ظريف؟.. بعدو بيعنيلك مِتلي الخريف؟؟"

استيقظت روحيهما إثر الصوت والعطر.. خرجا مسرعين ليُقبلا نسماتٍ - ظنّا أنها ستستمر أكثر من ذلك –..

كان لديهما حلم مشترك – مستحيل- بالطيران.. ولعلمهما باستحالته اكتفيا بالسير قليلا على ذلك اللوح الزجاجي الذي يغطي البحر على اتساعه.. كان دائم النظر إلى الشمس، وكانت دائمة النظر إلى ذلك السمك الملون تحتها..

 كانت هنالك لؤلؤة تخبرها كل يوم أنها لها.. لكنها لم تستطع يومًا أن تمتلكها..

لم تكن تعلم حينها أن للزجاج أيضًا سرطان.. فقط مربعٌ صغيرٌ تحت قدميها به شرخين أو أكثر، كان كفيلا بأن تتراجع وتنسى أمر السمك الملون.. واللؤلؤة..

لم تجرؤ أن تطلب منه ذلك.. لكنه كان يعلم منذ البداية...

عادا إلى الشاطىء بحركات بهلوانية وبسمة مرحة.. حاولا التمسك بها قدر المستطاع..

ربط عينيها بشريط حريري أخضر.. وطلب أن تنتظر دقيقة.. لم يكن بحاجة إلى حفرة عميقة كي يصل إلى الكنز.. علبة "ماكينتوش" زاهية مستديرة كانت كافية جدًا لاستمرار السعادة أسبوعًا آخر..

التهمت ألوانها بفرحة.. تناولت تلك المغلفة "بسولوفانة " بنفسجية براقة وركضت بها إلى أقرب نخلة.. سَعفةٌ تدلت في طريقها استطاعت أن تصوغ منها ضفيرة قوية تسلقتها إلى القمة.. لم تستبدل حينها الشوكولاتة بالتمر.. فقط اكتفت بالاستمتاع بالشوكولاتة حتى اكتشفت أنها بالبندق..

قفزت فوق النخلات بسهولة.. ظنت لبرهة أنها تطير.. نسرٌ صغيرٌ حلّق فوق رأسها مباشرة..

 لم تخف.. ظلت متمسكة بالسولوفانة البنفسجية حتى النهاية.. سقطت -السولوفانة-..

 حزنت قليلاً.. وتابعت الطريق..

عنه..

كان لا يزال هناك.. يُفكر في اللحاق بها ملتقطًا أخرى بطعم الفراولة.. هي لم تحب يومًا الفراولة.. ولم تحبه.. لكنها على الأرجح كانت تحتاج لأنفاسه كي تعطر بها قدح شاي ترتشفه كل مساء..

"بووووووووووووووم"..

سقطت..

 تتناوب على رأسها عشراتُ التمرات.. كانت السقطة كافية جدًا كي تستيقظ لتجده غافيًا على كرسي هزاز.. لا يبرح مكانه.. وتجد نفسها ممددة على الأرض.. تتوسد بعض القش الأصفر وتستند برأسها على صخرة.. قاسية بعض الشيء.. وفيروز لا تزال تُغني.. له.. وللخريف..

 كان لها كوخًا حميمًا.. وبسمة مرحة.. وقدح شاي تعطر بأنفاسه، وكانت له لمحة حُلوة.. قال أنه سيحزن إذا ما تلاشت..

لم تكن متأكدة من مدى صدقه.. ولم يكن مُهمًا مدى صدقها.. المهم أنه كان..

وأنها كانت...     

الحكاية الثانية..

 

احتفال بحذاء وردي اللون..مقاسه "zero "

 

     خرجت من باب العيادة.. تتحسس بطنها في محاولة أمومية لا إرادية لاحتواء كامل أحشائها بكامل راحتيها.. بين عينين اغرورقت بالدمع ووجه تعلوه ابتسامة، كانت جميع قسماتها تفضح فرحة ما.. انتظرتها طويلاً..
عشرسنوات قضتها في صراع نفسي بين حبها لزوجها الفاقد للقدرة على الانجاب، والذي لم تعشق يوما سواه.. وبين عشقها الفطري للأمومة..
عشر سنوات قضتها بين عيادات أكبر الأطباء داخل البلاد وخارجها وبين تلك الوصفات الغريبة للعطارين وعدة تجارب فاشلة لطريقة الحمل بالأنابيب..
عشر سنوات بين شعور بالأمل وبين عدة محاولات للتمسك بالأمل..
كانت تتعلق بكل شيء.. وأي شيء.. لم تترك بابًا إلا طرقته، بما فيهم تلك الاعلانات التلفزيونية العقيمة التي تعدك بثقة حمقاء بوداع العقم..
اليوم.. بعد كل الجحيم.. وكل عذابات السنين.. تأتيها سعادة الدنيا في بضع كلمات انجليزية كُتبت على ورقة بيضاء تُشير إلى نتيجة تحليل حمل جلست تنتظره منذ ساعتين.. ومنذ سنوات..
بجوارالكلمات علامة صغيرة جدا تعني "إيجابي"..
أخذتها عجلات قدميها في نشوى إلى إحدى محلات بيع مستلزمات الأطفال.. شعرت برغبة جامحة في شراء كل الملابس والأحذية والألعاب والسرائر الهزازة.. كل الأشياء التي تخص الطفل.. تسلل إلى عقلها شعور بالأنانية فقررت تأجيل سعادة شراء تلك الأغراض الصغيرة لتتشارك بها مع زوجها الذي ينتظِر ذلك الاحساس منذ زمن، لكنها لم تستطع أن تنحي ناظريها بعيدًا عن تلك الأرفف الخشبية المرصوص عليها بمرح بعض الأحذية الصغيرة جدًا التي تتأرجح ألوانها بين درجات الأزرق ودرجات اللون الوردي، وتتأرجح مقاساتها ما بين الخمسة وال "
zero"..
انتقت أصغرهم وأزهاهم..اختارت اللون الوردي قناعة منها بأن ما تحمله بين أحشائها ستكون صبية.. أو ربما تمنت ذلك...
خرجت من محل الأطفال حاملة معها حبها وابتسامتها..
وحذاء وردي اللون مقاسه "
zero"..
اتجهت في خطوات شبه راقصة إلى محل الزهور.. رتبت بنفسها باقة كبيرة من البنفسج تتخللها بعض قرنفلات بيضاء لم تتفتح بعد، ومنها إلى أفخر محلات بيع الحلوى لتنتقي أكبر تورتة بطعم الشوكولاتة والكثير من البالونات الملونة والشموع المعطرة.. اختارت كل شيء بعناية شديدة لتكون حفلتها اليوم في روعة وخصوصية المناسبة..
لحظة خروجها من الباب الزجاجي ذو الأجراس المعلقة تعثرت بصديقتها وجارتها "حبيبة".. تلك الشابة الجميلة التي تحولت إلى أرملة في سن صغيرة..

- "حبيبة".. إيه الصدفة الحلوة دي.. جيا تشتري حاجة!؟؟
في توتر بدا جليًا على وجهها
- ازيك يا سلمى،أنااا.. أص أصل النهاردة عيد ميلادي و...
- بجد!! كل سنة وإنتِ طيبة، طيب كدة متعزمنيش يا وحشة!؟
- هااا.. معلش أصللل..
- عموما كدة كدة مكنتش هقدر آجي
- الحمد لله.. قصدي قصدي ليه بس؟.. صحيح انتِ جيا هنا ليه؟.. وايه اللي في ايدك ده؟؟
لم تجب سلمى.. ليس لخبثٍ ما أو خوفًا من الحسد.. لكن لأن زوجها هو أول من يجب أن يعلم بالخبر..
                                     ************
على مائدتها الصغيرة جهزت عشاءً فاخرًا إلى جواره وضعت زهورها البنفسجية، وتورتة الشوكولاتة..
أطفأت كل الأنوار وأضاءت الشموع.. وضعت في المنتصف طبق "سرفيس" دائري كبير مغطى بغطاء معدني براق.. وتحت الغطاء وضعت بحب حذاء صغير وردي اللون مقاسه "
zero"..
ارتدت أجمل فساتينها وعقصت شعرها بفراشة كبيرة لامعة.. ثم عطرت نفسها ودنياها بعطر الياسمين الذي يحبه..
جلست على أريكتها الدافئة تنتظر في لهفة تلك النظرة السعيدة التي سوف تراها في عينيه فور سماعه الخبر..
في ذلك الوقت تسللت إلى أذنيها وقع موسيقى اسبانية راقصة.. تألفها جيدًا.. تلك الموسيقى التي أحبتها يومًا تأثرًا بولع زوجها بها، كان وقعها يزداد عُلوًا كلما اقتربت من النافذة..
أزاحت ستائرها ببطىء لترى جارتها الأرملة الجميلة ترتدي فستانًا أسودًا منفوشُ قليلاً.. أكمامه طويلة وظهره شبه مكشوف..
كانت ترقص على تلك الأنغام الأسبانية بجموح واضح.. شعرها منثور يكاد يكسو الفضاء وقدماها حافيتين تمامًا.. تضرب الأرض بكعبيها في عنف وبدائية ثم ترفعهما برقة تمتد لأطراف أصابعها..
تعجبت سلمى من تلك الطقوس الغريبة في الاحتفال بعيد الميلاد.. ضحكت.. ثم ساورها شعور بالخجل من تلك المحاولة السيئة لاقتحام خصوصيات الغير..
بدأت في اسدال الستائر ببطىء كما فتحتها.. توقفت فجأة حين لاحظت اقتراب لظل تألفه جيدًا.. لم تستطع كبح جماح فضولها وظلت ترقب من بعيد..
لمحت ظهرًا عريضًا لرجل يقترب من "حبيبة".. يقترب جدًا.. يحتضنها من الخلف ثم يُخرج من جيب سترته عقد لؤلؤ.. تألفه أيضًا.. يطوق به رقبتها ويُقبلها..
يُشاركها الرقصة فيستدير ببطئ ذابح لتتسلل ملامحه رويدًا عبر ستائره وستائرها..
تراه..
إنه هو.. زوجها وحبيبها.. والد طفلتها المنتظرة..
في لحظة..
تشعر أن العالم خلا من أي شيء إلا من سكين حاد..غرسه أحدهم في أعمق أعماق قلبها كي ينزف طول العمر.. وتفترش دماؤه حلبة رقص كبيرة، تصلح جيدًا لحمل هراءات اسبانية..
يقتحمها شعور بالمرارة.. تتذكر كل الماضي.. فلا تستوعب الحاضر.. ولا ترى أدنى بصيصٍ للمستقبل..
تَدمع.. تختنق.. تبكي..
ثم تبكي كثيرًا..
تتجه بلا أدنى اتزان إلى المائدة.. تُحطم كل الصحون وتدفع بالورود والشموع إلى الأرض.. ثم تتجه في هلع إلى الباب..

مُخلفة وراءها جدران تَبكيها.. ومظاهر احتفال أبى أن يبدأ.. وحذاء وحيد..

كان وردي اللون..

مقاسه "zero"...

 

الحكاية الثالثة

   

نصف وجه..

 

     منذ نعومة أظافرها.. تعلمت كيف تعتلي جبال الحزن لتقترب من السماء وتلامس بإصبعٍ من نور.. شعاع الفرح..
تعلمت كيف تنقل عدوى السعادة لمن حولها.. كيف تحب.. وتنجح.. وتفرح..
لكنها لم تتعلم يومًا.. كيف تعيش..
بنصف وجه...
                                     **************
على كرسي ملاصق لنافذة القطار.. تجلس سلمى.. تلتصق بالنافذة التصاقًا ملحوظًا وكأنها تهرع إليها من العالم في الطرف الآخر..
شعرها المنسدل يغطي نصف وجهها الأيمن.. نظرتها دومًا للأرض.. أو للنافذة..

يطلب منها أحدهم تبديل الكراسي ليجلس بجانب زوجته..
ترفض باعتذار.. ينظر إليها بوجه عابس..
لكنه لا يطيل النظر...
قُرصٌ دامي يهرع من الأفق إلى صفحة مياه النيل.. يُقبلها.. ويستهويه طراوتها...
تراه من النافذة وتتمنى لو أنها مكانه..
تفيق من شرودها على صوت "الكُمسري" يطلب فحص التذاكر..
تعطيه التذكرة بأطراف أصابعها دون أن تنظر إلى وجهه.. يتعجب من عجرفتها.. يمنحها ملامح صارمة..
لكنه لا يطيل النظر..
مساحات خضراء امتدادها أقصى من امتداد البصر..
إلى ذلك البراح الذي يتحرك أمامها عبر النافذة.. تُطيل سلمى النظر..
تتمنى أن تقفز وتلعب بين العشب.. والذرة.. والطلمبات.. وشجر التوت..
تتخيل نفسها شجرة توت..
يريحها ذلك الإحساس بالإتساع..
صوت دافئ يأتيها من اليسار.. يأخذها من ذلك العالم الأخضر.. من البراح..
- لو سمحتي.. الكرسي اللي جنب حضرتك فاضي؟؟
- تومىء برأسها موافقة..
- طيب ممكن أقعد؟؟
- تُكرر الإيماءة
ترمقه بطرف عينها اليسرى.. نظراته إليها تُقلقها.. تُزعجها.. ولا تزعجها..
كم رآها جميلة..

رغم أنه لم يرَ سوى نصف وجهها الأيسر لشدة انحنائها يمينًا نحو النافذة..
بياضٌ وضاء.. عين كعيون المهر.. شعر يكاد سواده يحتل كيانه.. ويحتل العالم..
كم رآها جميلة..
ظل لدقائق يتأمل ذلك النصف القريب من وجهها.. ويُسبح الخلاق..
حاول بأدب أن يتجاذب معها أطراف الحديث..
- هو حضرتك نازلة فين؟
اقشعر جسدها من بغتة السؤال رغم طبيعته.. ردت بصوت خافت جدًا..
- اسكندرية
اقتطب حاجباه من اختصار الرد وخشي أن يظهر بمظهر الفضولي المتطفل، لكنه ومن فرط اعجابه قرر ألا يستسلم.. انجذب إليها حقًا.. في دقائق قليلة تخيل بيتًا، وولدُا، وحياة..
سألها بمباشرة غير متوقعة..
- هو حضرتك مرتبطة؟؟
بُركان..
بُركان اجتاح جسدها ونفسها في تلك اللحظة..
بركان لم يعلم أسباب ومواقيت انفجاره سواها..
من فيض الارتباك.. سقط "الموبايل" من يدها.. ومن فيض الارتباك انحنت لتلتقطه..
فانحنى بدوره إلى الأرض ليناولها إياه..
تقابل الوجهان..
أخيرًا.. رأى نصف وجهها المجهول..
في لحظة توقفت فيها عقارب الزمن..

بُهتَ الوسيم..
" حين تُباغتك الصدمة.. تختلف ردود الأفعال باختلاف الأشخاص.. ونوع الصدمة.."
بوجه تغزوه ملامح الدهشة والارتباك.. ولمدة سبع ثوان.. تأملها..
لكنه..
لم يُطِل النظر..

تألمت..
رفعت جسدها المحني عن الأرض.. وأعادت نظرتها إلى النافذة.. إلى البراح..
مرت سنة على تلك الحادثة المشؤومة..
مازالت صورة ذلك المجنون تلاحقها في مناماتها ويقظتها..
في شارع شبه هادىء.. يجلس رجل بدين ذو رائحة كريهة.. شعره كث كثيف منظره يؤكد اكتظاظًا بالحشرات.. يُطلقه ولحيته للهواء.. حافي القدمين.. يرتدي من الملابس ما يكشف أكثر مما يستر.. يستند بظهره على جذع شجرة وحيدة ويمسك بكلتا يديه زجاجة صغيرة..
عيناه لا تُخبر سوى شيء واحد - أنا أكره الدنيا-..
فجأة..
وقف البدين وقفة عصماء للسماء..
احساسٌ حارق يُطفىء ضحكتها إلى الأبد..
صدمة..
ألمٌ يفوق كل أشكال الألم..
عرفت ما بداخل الزجاجة...
"مية نار"..
ألقاها المجنون عشوائيًا في الهواء.. في لحظة ازداد فيها نقمته على الدنيا.. لتعيش ما تبقى من عمرها.. بوجه نصف محترق...
                                       **************
"علاجها صعب أوي.. وهياخد وقت طويل..عمليات التجميل مش هترجعها زي الأول.."
هكذا تذكرت نبرة الطبيب وهو يخبرها بأنه حرق من الدرجة الثالثة..
ابتسامة ساخرة كبيرة.. تتلقفها النافذة.. ويتلقفها بدوره القدر...
مأذنة طويلة تعلو جامعًا صغيرًا في وسط اللوحة الخضراء..
تراها سلمى بوضوح حين يُهدىء القطار من سرعته.. تتذكر كلمات أمها بأن الدعوة في السفر مستجابة.. تُفكر..
بماذا تدعو الله!!
إنها تحبه.. ترضى بأقداره.. وتعلم جليًا أنه سيكرمها في النهاية..
ولكن بماذا تدعوه!! ماذا تتمنى!!
نظرت طويلاً إلى السماء..

لم تتمنَ عودة الأصدقاء..
لقد خجلوا يومًا من السير بجوار فتاة.. بوجه نصف محترق..
لم تتمنَ زوجًا يُقبل خدها الأيسر.. ويضع وجهه في الأرض كلما مر بنصفها الأيمن..
لم تتمنَ أن تزول الغصة من قلب أبويها..
لعلمها بصعوبة الأمنية..
لم تتمنَ أشياء كثيرة.. كانت بين يديها منذ سنة مضت..
ولم تتمنَ تغيير القدر..
لكنها تمنت في قرارة نفسها.. لو أن أحدًا فقط..
فقط..
أطال النظر....

 

الحكاية الرابعة

 

أن تكون حُرًا..

 

      تستيقظ  من فراشك كعادتك في الرابعة والنصف عصرًا.. تزيح الغطاء عنك في هلع.. تتجه بسرعة ملفتة إلى نوافذ غرفتك.. تتأكد من إحكام غلقها جميعًا واسدال ستائرها الارجوانية القاتمة من قماش القطيفة..
فقط شعاع واحد.. استطاع أن يتسلل عبرها إلى أرض الغرفة.. ليكون خطًا طوليًا من ضوء خافت.. انعكس جزء منه في مرآتك ليريك مدى شحوب وجهك.. ودمامة قسماتك..
شعاعٌ خافتٌ جدًا..
لكنك تحاول الابتعاد عنه قدر المستطاع..
تقف أمامها لمدة الساعة والنصف.. تتأمل تلك البشرة ناصعة البياض كما الورقة، ذلك الشعر البرتقالي المائل إلى الصفار.. ورموشك التي اصطبغت بنفس اللون تقريبًا لتصوغ إطارًا باهتًا لعينين زرقاوين.. خاليتين من أي معنى..
تمتد أصابعك إلى وجه المرآة محاولة التعرف على ملامحك .. يتملكك شعور غريب بالانفصام.. تتقمص دور صبي غجري أسمر.. ذو شعر فاحم ورموش كثيفة.. تزهو بها زُرقة عينيك..
أمهق..
تشعر بالمرارة كلما تذكرت تلك الكلمة التي نعتوكَ بها منذ الصغر.. تتذكر أقرانك في المدرسة ذات الفترة المسائية، حيث كنت تنتظر الغروب كي تذهب إليها..
تتذكر تفاصيل أول يوم لك في الفصل..
تتذكر تلك النظرات والهمسات والضحكات المكتومة التي لا تُخبر إلا بأنك جسم غريب.. دخل عالمًا لا يستوعب كثيرًا الغرباء..
ترضى أحيانًا.. تحزن في معظم الأحيان..
تمقتُ ذلك الميلانين الذي تفتقد إليه وراثيًا بشكل مبالغ فيه، يجعلك تهلع من مجرد فكرة الاحساس بالشمس..
مسكينٌ أنتَ..
تُقر بأن معاناتك النفسية لا يتفهمها سواك.. تتعذب بتلك الروح المغلفة بالاحساس بالنقص..
تتخذ من الشمس عدوًا.. ومن الليل حياة.. ومن الظل مأوى وسجنًا..
مسكينٌ أنتَ..
أسيرٌ لخوفك.. وضبابات مرآتك.. وحلم قديم باحتضان النور..
تقفز إلى خاطرتك أيضًا أيامك الجامعية.. تجنبك لحضور المحاضرات النهارية واكتفاؤك بتصويرها من الزملاء..
الزملاء..
مشكلة عانيتَ منها كثيرًا.. رُبما بفضلهم..
ورُبما بفضلك...
تنتزع نفسك عُنوة من أغوار شرودك وتأملاتك وذكرياتك.. تبتعد ببطء عن المرآة..
تُضيء أنوارك "النيون" وتغلَق عيناك لبرهة إثر انتزاعها من الظلام.. تتجه إلى الحمام ثم تخرج لترتدي ملابسك الأنيقة وتترك جدران المنزل الموحش بأفكارك.. كي تبدأ مساء يوم جديد..
تسير منكمشًا بحذاء الحائط حتى تصل إلى ذلك الباب الزجاجي للفندق الذي تعمل به كمحاسب محترف - يشهدون لك بذلك رغم تعجبهم لانطوائيتك-..
يتسلل شدوٌ ملائكيٌ جديدُ الوقع على سمعك.. يُخبرك أحد العاملين أنها "السوبرانو" الجديدة من معهد الموسيقى..
تتجه ببطء إلى صالة الاستقبال.. تراها..
جميلة.. خمرية البشرة.. شعرها كستنائي طويل منسدل على كتفيها وممتد إلى نصف ظهرها تقريبًا.. ترتدي فستانًا أسودًا مكشوف الذراعين وفي أذنيها وضعت قرطًا صغيرًا لفراشة فضية.. مطلوقة الأجنحة..
تقف في المنتصف وحولها مجموعة من العازفين، يرتدون أيضًا بَدلات سوداء أنيقة ويصوغون مع ملائكية صوتها لحنًا استطاع أن يُعطر المكان.. ويستثير كل من حوله..
كما استثارك..
تُنهي فقرتها فيتبعها تصفيق حاد.. يتجه أحدهم إليها ويقترب منها في ثقة.. تلمحها أنت من بعيد.. تَراه يُمسك ذراعها بحنو واضح.. تمشي معه باستسلام تام..
تنظر إليها في صمت..
تتسلل إلى مشاعرك نشوة حذرة.. تجعلك تسير خلفها فتلمحها تتجه إلى الغرفة المخصصة لتغيير الملابس.. تنتابك رغبة قوية بالتخلي عن حذرك والاستعداد لتحمل تلك النظرة.. التي تمقتها منذ زمن..
فقط نظرة منها تكفيك.. وإن آلت بعدها إلى الأرض..
تقف خلفها مباشرة.. خائفا.. مرتبكًا.. مُستكينًا..
تشعر هي بحرارة لأنفاس خلفها فتستدير لتكتشف كُنهها..
تستسلم أنت لعينيها.. ولأول مرة في حياتك.. لا تؤول نظرة أحدهم بعدك إلى الأرض..
أو أنها في الواقع لا تؤول إلى شيء..

ضريرة..
نعم.. ضريرة..
ولكنها تبتسم..
تحيا في الليل الدائم الذي تمقته أنت.. ورغم ذلك مازالت تبتسم..
منذ ذلك اليوم.. وأنت تجوب معها كل الشوارع،النوادي،المسارح.. تُمسك بيديها.. تسير في منتصف الطرقات.. تبتعد كل البعد عن الأركان وتستمتع معها بالمساء بكل نجومه وأقماره ونسماته..
تستمتع كثيرًا.. تُحبها كثيرًا.. تشعر معها بالاستغناء عن الأصدقاء.. وعن العالم..
وعن الشمس..
ولأول مرة منذ سنوات.. تبتسم من كل قلبك.. ولأول مرة منذ سنوات.. تشعر بمعنى جديدًا..
لأن تكون حُرًا..
.

الحكاية الخامسة

                                                          

اللؤلؤة السوداء "Black pearl"

 

    علاقتي بكِ، كعلاقة طفلٍ صغير شغوفٍ بحلوى "المارشيميلو".. بالطبع يصعبُ عليكِ تفهم ذلك.. لأنكِ لم تكوني يومًا كبقية الأطفال..

عندما قفزنا للمرة الأولى فوق سور "الفيلا" ذات الحديقة المربعة الممتلئة بزهور "عباد الشمس" الطويلة جدًا.. طلبتِ مني أن أنزع لكِ أطولها، وأن أستبدل اسمها ب"تباع الشمس" كما تعلمتِ في حصة الدين -أن العبودية لله وحده-..

كانت المرة الأولى التي يخبرك فيها أحد أن هنالك زهرات تلد اللبْ.. حينها انتهزتُ الفرصة كي أخبرك أيضًا بأن بذور اللبْ تتساقط من زهرتها إذا ما رأت قبلة بِكر بين نفسٍ طاهرة وأخرى أكثر طُهرًا، وأن اللؤلؤة السوداء ستجدينها يومًا –صُدفة- بداخل حبة "أم الخلول" فضية بحجم أذنك، أو مُعلقة بذيل قنديل بحرٍ لطيف يلدغك مرة واحدة وبعدها يرحل..

ولأنني كنتُ دومًا بارعًا في تحويل الحواديت المملة إلى أخرى ممتعة.. ولأنكِ الأكثر طُهرًا في هذا العالم.. صدقتها..

 أصبحتِ تشترين كل يوم سلة "أم الخلول" كبيرة.. تحملينها إلى آخر صخور الشاطىء وتفرشينها  قرب البحر.. تتحملين لدغات القناديل واحدة تلو الأخرى.. وتبحثين بين صدفاتك عن تلك اللؤلؤة الوهمية..

تعودين لي في المساء عند سور "الفيلا" لنُكرر قفزتنا اليومية إلى الحديقة.. تقفين أسفل أطول زهرة تباع شمس وتحاولين لمس وجهها الاسفنجي الأصفر.. تخونك قامتك القصيرة –كالعادة-  فتكتفين بطبع قبلة صغيرة على خدي الأسمر الجاف.. قبلة بطعم "المارشيميلو"..

 لم أستطع أبدًأ الاحتفاظ بنكهتها.. ولم تكفِ أنتِ يومًا عن انتظار سقوط اللبْ...

 

 

الحكاية السادسة

 

وثبًا نحو الأحلام..

 

      بعد عدة محاولات فاشلة للبحث عن ملابس تلائمها في تلك المحلات التجارية السخيفة.. قررت الجلوس في إحدى الكافيتيريات التي لا تطؤها الكثير من الأقدام، والتي تتميز بإضفاء هالة فيروزية حالمة إلى المكان بدلاً من الجو المعتاد لقنوات الأغاني الفضائية..
تبحث بناظريها عن طاولات الأركان.. تنتقي أقصرها.. وأبعدها..
تثِبُ وثبتها الاحترافية إلى الكرسي وتجلس ودفترها الصغير ذو النقوش الملونة.. وقلمها الرصاص.. تبحث بعينيها عمن يستحق أن تستلهم منه لوحتها الصغيرة هذا اليوم..
تنادي أطول النادلين في المكان وتطلب معكرونة "اسباجيتي" بصوص المشروم مع زيادة أكثر للجبنة.. إنها تحب "الاسباجيتي" كثيرًا.. كما تستهويها المبالغة في الأشياء..
في طريقة شديدة الخصوصية لأكلها.. تُبعد الشوكة بشكل ملحوظ عن فمها وتحاول أن تلتقط وحدات "الاسباجيتي" بأسنانها ثم تسحبها بشفتيها في استمتاع طفولي مضحك..

ترقب الكراسي ومن عليها في محاولة لصنع جو حميمي زائف للمكان..
تلمح رجلاً يجلس وجهازه "اللاب توب" فقط.. منهمكًا مع أزراره..

تتعجب من اختيار بعض الناس للوحدة.. تفكر أنها لو محلهم لما اختارت الجلوس وحدها في مكان عام.. أبدًا..
يجذبها منظر آخر لشاب وفتاة يمارسان طقوس المراهقة الحُلوة.. يُمسك يدها.. تخجل..

يضغط بحنو أكثر فتبتسم ويشتركان في الشرب من كوب واحد..
ترقبهما هي في خبث..

وتحلم..
لكنها لا ترسمهم ..

إنها لا تعلم لماذا تلتفت سوى للرجال.. كأنها تتجنب النظر عمدًا إلى كل النساء..
تبحث عن أطولهم قامة وأكبرهم مقاسًا للحذاء..
هم فقط من يستهويها أن ترسمهم..
تُنهي تلذذها بصحن المعكرونة وتُلحقه بطلب لمشروبها المفضل "كابوتشينو هازلنَت".. هكذا تحب أن تقولها بلغة انجليزية أقرب إلى التصنع..
تشُب بجسدها النحيل لتلتقط عُلبة الفخار المرتب فيها أكياس السكر بشكل طولي.. تفضل السكر البني على الأبيض.. تضع كمية غير منطقية في فنجانها الكبير نسبيًا..
أخبرتها أمها ذات يوم أن السكر البني مستخلص من أجود أنواع قصب السكر وأكثرهم طولاً..
لم تهتم كثيرًا بمعرفة صحة المعلومة..
اكتفت بارتشاف فنجانها رويدًا رويدًا، والانتشاء بتلك النكهة الساحرة للبندق وذلك الاحساس الحُلو لشارب من رغوة يكسو شفتيها..

يلمحها هو من فوق كرسيه البعيد.. تتسلل نظرات ضاحكة من خلف نظارته الزجاجية على شاربها الرغوي، تجذبه طريقتها الغريبة في أكل "الاسباجيتي"  وحركاتها المشتتة بشكل ملحوظ رغم تركيز قلمها الدائم في دفترها الصغير..

في ذلك الدفتر.. كانت ترسم ظلالاً سوداء طويلة لهيئات تحسبها رجالاً، وترسم لها أقدامًا كبيرة جدًا.. تكتفي فقط بالظلال والأحذية.. تختلف أشكالاً وألوانًا لكنها تشترك في شيء واحد..

حجمها الكبير..
تلاحظ نظراته المتسللة وتؤكد لنفسها أنها إحدى نظرات الاعجاب التي تتمناها من حين لآخر..تفشل في تحديد لون عينيه..
لكنها تنجح في رسم ظله..
"عندي ثقة فيك.. عندي أمل فيك.. بيكفي شو بدك مني أكتر بعد فيك.. عندي حلم فيـــــك......"
تشدو فيروز بينهم في الهواء.. يبتسم إهداءً لها..
تبادله الابتسامة وتزداد انتشاءً..
يُخرج من محفظته الأنيقة ورقة عشوائية صغيرة ويطلب من النادل قلمًا..
يكتب بعض كلمات.. يتردد..
يُكرمشها ويلتقط غيرها.. ويتردد أيضًا..
يُحاول الاستلهام من تلك الهالة الفيروزية حوله.. ومن عينيها..
يكتب فقط كلمتان " أنتِ حُلمي"..
يرفع رأسه مناديًا لنادله الخدوم.. يقول له في همس :
" من فضلك.. ممكن تدي الورقة دي للبنت اللي قاعدة هناك...."
ينظر لإصبعه السبابة ليفاجأ أنه يشير إلى الفراغ...
يقف..
يمسح بعينيه المكان..
يتلاشى من أمامه حُلمٌ كان يرسمه فوق دفترها..
غاضبًا متعجبًا يضع يده اليمنى فوق جبهته والأخرى في جيب بنطاله..
فجأة..
يلمح أمامه ظلاً قصيرًا يقترب.. يشعر بيد صغيرة تسحبه من بنطاله بحركة مليقة..
"كم يكره ذلك المزاح السخيف للأطفال"..
يهز قدمه اليسرى بقوة.. يلاحظ ازديادًا في التمسك.. ينظر إلى الأسفل.. ثم إلى الأسفل جدًا..
يُحملق.. يُصعق.. يَرتبك..
ويصمت..
إنها هي..

إنه الحُلم.. يتجسد في ذلك الوجه الناعم..وذلك الشعر الكستنائي..
وجسد طفلة...
تصيبه الصدمة بحالة ذهول لحظية لا ينبت خلالها ببنت شفة.. يسمع صوتًا خافتًا جدًا يصله صداه من الأسفل.. يضطر إلى الإنحناء كثيرًا ليسمعه..
- "ممكن تشيلني؟؟"
- "نعم !!!"
- "شيلني عايزة أقولك حاجة.."
حملها طويل القامة كما يحمل بنات أخواته الصغيرات..
قربت ثغرها الصغير من أذنه.. همست في خبث:
"
حتى الأقزام يا عزيزي يستطيعون الوَثب إلى الأحلام"..

 

 

الحكاية السابعة

 

رُزنامة

     

   لم تكن تلك المعلقة بين الجفن والبكاء، هي أحد أسباب حُزنها.. كما لم يكن اختفاء زهرة الليمون من المدينة، هو السبب الرئيسي لوجع الفراشة..

على سرير موازٍ لنافذة غرفتها.. تجلس في مكانها لتَشم الضوء الذي يخاوي تلك الوسادة.. تُحصي ذراته الحائمة حولها في دوائر مجوفة بداخلها دوائر مجوفة.. بداخلها دوائر أكثر تجويفًا..

على الطرف.. تُمسك بجهازها "اللاب توب" وتبدأ بتحميل آخر حلقات مسلسلها التركي المفضل.. هي تعلم أنها شاهدتها بالأمس ولكن.. ماذا يضيرها لو عاشت في الحكاية ليوم آخر؟؟

في الحواديت كل شيء فاتن.. كل الألوان زاهية بالقدر الذي تحسبها اصطناعية.. وكل النهايات مألوفة رغم غموض القصة..

رُزنامتها الكائنة بوقارٍ على جدار غرفتها.. تُخبرها كل يوم أن ثلاثون ليس رقمها المفضل.. وأن خزانتها مازالت تستوعب فستانًا لا يُشبه فساتينها..

ترنو ببصرها صوب كل الاتجاهات.. تحاول حبس فضاءاتها في زجاجة عطر قديمة..تفشل.. فترنو ببصرها صوب الرزنامة..

-        باقي من الزمن دقائق-..

تُلقي بحنانها على أرض الغرفة وتمد أصابعها لتلتقط حقيبتها الجلدية.. تُخرج جديلة ضجرٍ صاغت بالأمس جزءًا منها.. تُكملها.. تُعتقها.. تُحصنها بتمائم وتعاويذ قدسية الهالة، ثم تُدثرها "بدبدوبٍ" أبيض أنفه وردية، أسمته منذ زمن "تميم"..

"هو الباركيه متعشق كدة ليه!!؟"..

 تُباغتها الفكرة..

 - كم هو ساحر أن تفعل أشياء لا يطيقها أبويك-..

تتناول مطرقة صدئة من خلف ستارتها.. تجلس القرفصاء.. تستند بظهرها إلى باب الخزانة.. تَدُق كل نقاط الضعف في الخشب العطِب.. تَثقبها.. تُحيلها إلى دوائر مجوفة بداخلها دوائر مجوفة بداخلها دوائر أكثر تجويفًا..

-        باقي من الزمن ثوان-..

تتجه إلى الجدار..تُمسك بالرُزنامة.. تُعنفها.. تنزع ورقة وُلوجها إلى المنطقة الكريهة وتحرقها.. تمرر الرماد بين الفجوات ثم تُواريه بذاك الحنان.. وجديلة الضجر المعروفة..

 تَكْ..

تُخبرها التي كانت معلقة بين الجفن والبكاء، أنها كل أسباب حزنها.. وأن اختفاء زهرة الليمون من المدينة.. هو كل أسباب موت الفراشة...

 

 

الحكاية الثامنة

                                                         

على طرف المفرش..

 

     عزيزتي ذات الكَمّون..

لبلاطِ الغربة سحرٌ قانٍ.. ولسحره برودة، وعريٌ مفروغ منه..

أعلم كم هو جنوني أن تجدي رسالة مصاغة بخط عربي أصيل على طرف مفرشك، ولكن.. أليس من الجنون أن نكون الآن في نفس المقهى.. أن نُطل من نفس الزجاج على خليج أسود، شوارع لا نعرفها، وبيوت لا تعرفنا..

أليس من الجنون أن يجلس كلينا على طاولتين قريبتين حد الأنامل.. بعيدتين حد الأمان..

عزيزتي..

أؤمن بأن سحر الأشياء يكمن في أصولها، وأصول الأشياء هناك.. تسكن علبة بهارات عتيقة ألفتها في مطبخ أمي..

هناك.. حيث الشمس بإشراقة حبة كركمٍ مكتنزة، والجدران بنعومة حبات الصنوبر..

 هناك.. حيث الفلفل الأسود يتكور أكثر، يُخرج كل دنايا الروح بعطسة حقيقية..

هناك.. فقط هناك.. أنتقي ذلك الركن الحميم في ذاكرتي.. أجلس متلحفًا بملاءات رائحتها كرائحة أوراق الزعتر.. أستبدل لفافات التبغ بأعواد القرفة الخشبية ،وأفكر..

 تُراها أي البهارات تلائمك؟؟

 حينها.. باغتتني من بين شدقيك ابتسامة أودعتِها طرف الكأس.. ابتسامة بدفء الحارة.. وفرحة حواديت أمي.. ولون الكمون..

حينها.. استأذنتِ كأسكِ إلى الحمام.. وبدوري استأذنتهُ ..

"كمون بلدي حصى".. ذلك ما انتشلته من القاع ونثرتُ بعضًا من حصواته على رُسغي، تنشقته كي يعلق بي ذلك العبق لأطول فترة ممكنة، ثم أخرجت قلم "بِريما" بعمر أحلام الطفولة.. وكتبت على طرف المفرش، شكرًا..

 شكرًا عزيزتي لأن حصواتك الحميمة أحيت أصول العالم.. ولأنها أطلقتْ في نفسي القلقة..

 مساحاتٍ رحبة للتطلع...

على الهامش..

صباحاتي..

دومًا ما تفتقدُ إلى شيء ما...

أستيقظ من نومي على صوت مُنكر لبائع جرائد.. أغتاظ.. أحاول تذكر آخر خبر مهم قرأته.. لا أتذكر شيئا.. فأغتاظ..

الدفء..

غاية صعبة المنال.. أبحث عنها يوميًا تحت الصنبور.. صابونتي دومًا أكبر من احتوائي.. يستهويني أن أترك يداي تحت الماء الساخن لأطول فترة ممكنة.. أتذكر اعلان "احسبها صح تعيشها صح".. أتجاهله.. أزيد من فتح الصنبور حتى يتلحفني البخار..

أرسم على المرآة مركبًا صغيرًا بشراع مكسور.. دومًا مكسور..

أُغلق الصنبور ببطء وأقرر بدأ يومٍ.. ليس بجديد...

في الطريق إلى العمل.. حمار أبيض ينظرني بامتعاض.. يُخرج لسانه ويهمس بثقة "والله مانتي فالحة"..

أغتاظ.. أتهكم على غيظي لا اراديًا برفع الذقن بعض سنتيمترات إلى الأعلى..

-خطأٌ فادحٌ نرتكبه حين نعتقد أنفسنا استثناءً أو حالة خاصة في الدنيا-..

يُلاحظني السائق عبر المرآة .. يضحك..

فأغتاظ..

أمام المبنى.. ألمح أحد البوابين يُحملق في أجساد فتيات من الخلف.. يتفحصها من أسفل إلى أعلى..من أعلى إلى أسفل.. يُتمتم "أستغفر الله العظيم"..

أتذكر "سعاد حسني" في "بئر الحرمان".. أُقر بأن العالم يعاني من "شيزوفرينيا" مُفرطة.. غير معلومة الأجل.. أنظره بازدراء.. يلمحني.. ويبادلني نفس النظرة..

من شرفة في الطابق السادس.. تستطيع ادراك حقائق الأشياء- إلى حد ما - ..

 أرى سطوحات بارتفاعات مختلفة يكسوها التراب.. ورؤوسًا..معظمها صلعاء...

يُدركني "عم حسن" بقهوة عطرت المكان.. أتذكر أبي.. أتهكم على الذكرى وأتوسل الوقت كي أرحل من هنا..

- "البشمهندس عايزك"

أتأفف..

- "فيه مناقصة جديدة في مطروحة.. إيه رأيك تسافري معايا عشان تتعلمي؟ "

مغازلة مستترة من حين لآخر،و"موبايل" يشدو كل دقيقة بأسماء الله الحسنى..

 ألم أقل من قبل!!!!

- "معلش أصل محدش هيرضى عندي في البيت "..

رُبما لا أجيد صنع القهوة.. لكني أجيد فنون تدارك الموقف..

- "مانتي قاعدة لوحدك.. وبيسبوكي تسافري كل حته!!"

أغتاظ.. أختنق..

أستأذن...

 البحر..

خير الأماكن للتهكم على الحزن..

أعتلي بانتشاء أحد الأسوار المنخفضة للكورنيش.. أفرد ذراعي إلى أقصاهما في الهواء.. تُرضيني الدفعة.. أرفع رأسي تدريجيًا إلى الأعلى.. ثم إلى الأعلى جدًا ،لا أدري إن كان شموخًا على الدنيا أم تفاديًا لقطرات رشحٍ كادت أن تتساقط من أنفي ..

أرنو بناظري إلى الطرف الآخر من البحر..

 إلى ريح تبعثرني أكثر من ذلك..

نسمات خريفية النكهة تُدغدغ أنفي الأحمر بحنو.. تدعوني بألا أتهكم.. بألا أُلقي بالاً لعشاق القراميد.. أو أُذعن لأمر قطة عرجاء تموء تحت أرجلهم..

 تُخبرني بألا أحزن.. وألا أسأم.. وبألا أكترث يومًا..

لكوني وحيدة....

  

الحكاية التاسعة

 

"كيفك إنت"..

 

      يَطيبُ  لي ذكرك في المساء.. حين ينام كل الناس ولا يبقى سواي و ليلي المعتقُ بذكراك...

حينها أسترق السمع إلى قلبي لأعرف ما إذا كان لازال ينبض أم لا!.. فوجدته ينبض..

بصعوبة...

أجد نفسي أبحث عن اسطوانات كانت لها ذكرى بيننا.. لا ينتابني شعور بالحنين.. ولكني أشعر بالبحث عن الحنين..

ربما لم تعد شيئًا في حياتي.. و لكنني أشعر بالنشوى لمجرد تذكرك.. لمجرد حنيني إليك...

أجدني أختار اسطوانة لفيروز.. كل ليلة فيروز،،

أسمعها لساعات وساعات.. لمجرد أن أشعر أنه لازال بيننا شيء مشترك..

تحكي..

" بتذكر آخر مرة شفتك سِنتها.. بتذكر وقتها آخر كلمة قلتها..

و ما عِدت شفتك .........."

ثم أجدني أتجه في حذر إلى المطبخ.. أبحث عن صورة لك وضعتها في درج مركون..

درج لا يعبث به غيري..

أنظر إليها طويلاً وكأنني أتذكر تفاصيلك وملامحك.. وأتذكر معها أيامًا حلوة..

لا أعلم لما لا أتذكر من أيامنا سوى الحلوة منها، رغم أنها لم تكن كثيرة ..

ولم تكن حينها تُرضيني ..

لكنني وجدتني أتذكرها.. و أبتسم...

أتجه إلى الشرفة.. أنظر إلى القمر المكتمل الذي دومًا ما أراك فيه.. أحاول أن أستشعرك تنظر إليه في نفس الوقت..

ويأتي نسيم الصباح.. المحمل دومًا بعطرك.. أحاول أن أستنشقه بعمق كي يملأ كل صدري .. ليعينني على التنفس ليوم آخر..

أحياه دون ذكراك...

نعم.. محملٌ بعطرك.. بأصوات السيارات وبائعي الجرائد وصخب الدنيا..

وذنبي ...

أشعر به كل يوم.. دون أن أتخلص منه أو من السبب..

ذكراك...

يستيقظ زوجي.. في نفس الميعاد .. بنفس الهيئة .. ونفس النبرة :

" حضرتي الفطار ؟؟ "

ريثما ينجز مهامه اليومية في الحمام.. وأنا أستمع إلى أصواته "البيتهوفينية" الخاصة جدًا.. التي لم أسمعها منك من قبل،،

أكون قد حضرتُ الفطور .. و حضرتُ معه ابتسامتي الواسعة.. و الرضا المزيف في عيوني..

يخرج من الحمام ليرتدي نفس البدلة التي ارتداها بالأمس، أو سواها لا يهم.. فكلها نفس اللون تقريبًا،،

يجلس ليتناول فطوره.. كما اعتاد ..

في صمت ..

بعدها.. يتجه إلى عمله.. فأتجه بدوري إلى المطبخ، لأغسل ما تبقى من الأمس من صحون.. وذنوب..

ثم أنطلق إلى سريري ..

لأنااااااااام ...

 

الحكاية العاشرة

 

 

تُقرأ مع فيروز.. "رِجعت الشتويه"

 

    ..يستهويها أن تجلس وأشياءها خلف نافذة غرفتها في عصاري الجُمع الشتوية.. تلك المُزينة بزهور اللاﭭندر والمُطلة بزاوية منفرجة على كورنيش الشاطبي الحنون...

أحمر، أسود، أخضر، أسود، زهري، أسود ، أرجواني، أسود..............،

تحمل صندوقها الخشبي الضخم المُطعّم بزخارف ذهبية توحي "بالروقان".. تتفحص بكرات التريكوه الصوفية المرصوصة بعشوائية في قاع الصندوق..

تلتهم كل أطباق الأرز باللبن  و"البودينج" و"الكاسترد" الموضوعة أمامها على استحياء.. تُفضل "الكاسترد" بالفانيليا على أي طبق آخر..

تلتقط البكرة الأرجوانية والخضراء والصفراء والبنفسجية. هي تؤمن بأن السريالية يمكن أن تترك أثرها في اللوحات والموسيقى والحياة.. والكوفيات..

 تبدأ في غزل كوفية لن ترتديها.. تُحيكها بغُرزٍ تعرفها وأخرى تكتشفها.. كما اعتادت أمام التلفاز..

"وسيم" شاب وسيم بأنفٍ كبيرة.. ينتظرها كل جمعة خلف زجاج نافذته الخالية من الستائر والمطلة بزاوية منفرجة أيضًا على نفس الكورنيش..

تقرأ في شريط الرسائل أسفل قناة مزيكا.. "اغزليلي كوفية بلون عنيكي"..

تسترق النظر إلى انعكاس صورة التلفاز في مرآته.. تبتسم..

كل جمعة تأتيها تلك الرسالة في نفس الوقت.. تعلم أنها لها.. كل جمعة تبتسم..

***************

تتناول البكرة السوداء وتبدأ رحلتي الغزل و"التسبيل" الأسبوعية.. تبدأ في غزل كوفية سترتديها..

"من كام سنة وأنا ميال ميال.. وفي حبك أنا مشغول البااااااااال......."

تلتقط أذنها "عمرو دياب" عبر الهواء.. يسخر عقلها من عتاقة الأغنية، لكنه لا يكف عن الابتسام..

تقرأ عبر قناة مزيكا..

 "يا ساكنة قلبي والشباك.. بين وردة ناديه وبين كوفية..

محدش قلك يا صبية.. إن الوردة من يوم ما شُفتك..

مزروعة على طرف خدك؟؟..

وإن شم الورد في قلب وحداني..

 على خدود الصبايا..

 غِيّة؟؟

والنبي يا شيخة تقوليلها..

 ينوبك ثواب في شاب أسمر..

 نِفسه يا حلوة في كوفية.. تكون..

بلون عيون الصبية..

للاستعلام اتصل على 0123258962 "..

ترتبك.. تتلعثم إبرة التريكوه بين يديها.. تلتهم طبق "كاسترد" بالفانيليا..

تلتقط هاتفها وتقرر "انها مش هتخسر حاجة"..

-        ألوو

-        أ أ لو...

-        مش عايزة تديني الكوفية بتاعتي ليه؟؟

-        أ..أ..أنا معملتــــ....

-        أنا هستناكي عند نفق الشُبّان بعد نُص ساعة.. انتِ والكوفية.

-        بس.. أصل...

تيــت.. تيــت.. تيـــت...

نُهوضها الشبه سريع يترك علامات تقعر وتحدب واضحة على وجه المرتبة.. تتعثر حركة المرور بين السرير والخزانة.. ترتدي أحد فساتينها السوداء وتضع كوفية بلون عينيها غُرزتها كزهرة لاﭭندر صغيرة..

تُسدل قُصتها على جانبي وجهها لتواري امتلاءً ما وتتأكد أنها لم تواري الغمازات.. تبحث عن فتحتي أذنيها لتضع قِرطًا على شكل حبة حُمص.. لا تجدهما.. تضع في حقيبتها كوفيته ووردة.. وشوكولاتة بالكراميل.. تتجنب النظر إلى الجزء الأسفل من المرآة.. وتمضي..

تلمحه بجوار النفق.. تتعثر.. تتقدم نحوه..

يراها أمام النفق.. يتعثر.. يتراجع للخلف..

يُمعن النظر إلى منطقة البطن والجوانب والأرداف..

تتجنب النظر إلى منطقة البطن والجوانب والأرداف..

تتراجع.. تستدير.. ثم تركض..

 تلتهم قطعة الشوكولاتة، ودَمعة..

تنتظر عصاري الجُمع والأيام الأخرى.. تضيق زاوية نافذته وتنفرج خاصتها أكثر.. يختفي شريط رسائل مزيكا إلى الأبد.. تتجاهل ميزانها التالف أسفل الخزانة..

 تواصل التهام المزيد من أطباق الأرز باللبن و"البودينج"  و"الكاسترد" بالفانيليا.. وهي تُلاحظ تحولاً ما في لون زهور اللاﭭندر....

 

الحكاية الحادية عشر

 

سقفٌ منخفض..

 

     إنها الساعة الثانية و النصف بعد منتصف الليل, جسدي مُمدٌ على سريري وعيناي تحملق في زاوية معينة من سقف غرفتي,.. بتركيز كامل في تلك الزاوية.. أرى حياتي شريطًا يمر بطيئًا أمام عيني.. شريطٌ أرى نهايته في هذه الليلة..

دون أن أُبعد عيناي عن السقف, مددتُ يدي لأتحسس ملاءتي على يساري فأجدها فارغة,.. مددتُها إلى الأعلى قليلاً لأجد وسادتي باردة.. أحدثت تلك البرودة قشعريرة قوية سرت في كامل جسدي حتى وصلت إلى  أخمص قدماي, نظرتُ إلى النافذة.. فوجدتها مغلقة..وعرفتُ حينها أن البرودة تلك في أعماقي..

شعرت بسريري يتسع ويزداد اتساعًا وبرودة.. وسقف غرفتي يقل ارتفاعًا حتى هُيء لي أن بينه و بين أنفي بضع سنتيميترات..

إنها أول ليلة أقضيها بدونه.. أول ليلة يترك مكانه ويرحل... وأنا لا أتمنى في لحظتي هذه سوى شيء واحد..

أن أبكي..

أريد أن أبكي...

بكاء القلب أصعب ألف مرة من بكاء العين, وأنا أشعر باختناق غريب يتملك حنجرتي وقلبي..

اختناق لن يزول إلا بعد أن أبكي....

بعد ساعات طويلة مرت علي وأنا أحملق في نفس الزاوية من السقف, انتبهتُ إلى صوت مُنبهي يدق مشيرًا إلى الساعة الثامنة صباحًا, ميعاد استيقاظي للذهاب إلى العمل.. أنزلتُ قدماي من الفراش ببطء لتجد الأرض أشد جفافًا و برودة.. خُمول شديد تملك جسدي ونفسي..

غسلتُ وجهي وتوجهت إلى المطبخ لعمل قهوة الصباح..

ارتشفتُ منها رشفة واحدة فوجدتُ بها مرارة غريبة.. أضفت إليها قطعة سكر وارتشفتُ أخرى..

مُرة أيضًا...

أضفتُ قطعة تلو الأخرى.. المرارة لا تقل.. تركت الفنجان مكانه.. ذهبت إلى غرفتي لأستعد للنزول.. نظرتُ إلى مرآتي لأرى عيناي قد تملكت منهما الهالات السوداء, حاولت إضافة مساحيق التجميل لأخفيها و زُرقة وجهي البائس.. ولكن معالم البؤس لا تخفيه سوى مساحيق سحرية..

إنه ذات الاختناق الذي اعتراني بالأمس.. ودعوت الله أن يُبكيني..

أريد أن أبكي..

تركتُ مساحيقي السخيفة و اتجهت إلى خزانتي,.. فتحتها لأتناول ثوبًا أسودا..

اتجهت مقلتاي إلى اليسار قليلاً لأرى ثيابه بجوار ثيابي.. مددت يدي لألتقط إحدى بدلاته التي كان يفضلها.. نظرتُ إليها طويلاً.. ثم دنوت البدلة إلى صدري و احتضنتها بقوة..

شعرت لوهلة أن الله بعث الروح في أكمامها لتحتضنني هي الأخرى,,

شردت لدقائق .. حتى أفقت من شرودي على صوت حنون ينادي برقة الدنيا : "ماما"

التفت لأرى وجه ابني والنعاس يداعب جفنيه الصغيرين, ثم نزلت على ركبتي لأضمه إلي بقوة..

فجأة.. شعرتُ بقطرات مبللة على خده الرقيق,,

 حينها فقط..

 أحسست بشيء من الأمل ..

وشيء من الراحة..

لقد بكيت

  

هامش حالم..

 

لم تكن أنت.. ولم أكن أنا..

في عالم غير العالم..

لم تكن أنت.. لم أكن أنا..

كنا أطيافًا..

كنتُ طيفًا هادئًا.. يستندُ بظهرٍهزيل..

على ظهر نصف القمر..

في استجمام..

 أرتدي جوربًا صوفيًا أزرق..

أتكئ بقدم واحدة على الطرف البعيد للقمر..

وأترك الأخرى تتدلى للحياة..

في حضني دبدوب أزرق..

وفي قلبي مصباحٌ أزرق..

وأنتَ حولي..

تتنقل بين النجمات في رشاقة.. ومرح..

تضحك...

كلانا ينظر إلى الأرض من أعلى..

ولا يكترث..

لم تكن أنت.. لم أكن أنا..

في عالم غير العالم..

كنتُ زهرة برية تعلو ذلك التل الأخضر..

وكنتَ أنتَ شعاع النور..

وأنتَ عطر التل..

وأنتَ العشبَ الأخضر...

لم تكن أنت.. لم أكن أنا..

في عالمٍ غير العالم..

كنا أقحوانات بيضاء..

فراشاتٍ مضيئة..

طيورًا تأبى التغريد داخل السرب..

كنا نطير..

كنا نطير..

لم تكن أنت.. لم أكن أنا..

في عالمٍ غير العالم..

قبل أن تتردد أنت..

وقبل أن أستيقظ أنا...

 =============

*إيناس حليم - مصر

البريد الألكتروني :

dabdobaa@email.com

*لبنى أحمد غانم - مصر

lola_media2000@hotmail.com

 =============

تعقيب

للمرة الأولى تقع بين يدي مجموعة قصصية ثمرة تعاون بين كاتبتين ، جمعتهما الصداقة و الميول الأدبية المشتركة .

المجموعة القصصية "أحبني لتعرف من أنا" شملت إحدى عشر قصة قصيرة ، المدهش فيها متانة اللغة إلى جانب إتقان الفن القصصي و التنوع الفكري ، و صفوة القول فإن التجربة تستحق الإشادة و الثناء

نزار بهاء الدين الزين