
مجموعة قصصية لعبد
الرزاق بوكبة
تقديم : د. عمار يزلي

من
البداية، تبدو النهاية عند عبد الرزاق بوكبة في "أجنحة لمزاج الذئب الأبيض"..هي
نفسها البداية!..لا ندري إن كنا سنسميها "خواتم مفتوحة" أو بدايات مختومة"، فهو
وحده "سيد الخواتم"!..، لكن الأكيد أن بوكبة..يغزل من صوف غير صوف الأدب
التقليدي!، أو بعبارة أخرى، ينسج ويخيط من "كبة" غير محددة الأطراف!
إعلان حالة الرفض والقطيعة مع الأجناس! حتى الجنوسة عنده، غير جنسية بالمعنى
البيولوجي! الذكورة عنده، غير "ذكرانية" والأنوثة عنده بدون تاء تأنيث !..وحتى
الذئبية عنده "حالة بيضاء"..ملائكية بأجنحة! ذئب
أبيض
بأجنحة! معلنا بذلك اختلافه عن "الاختلاف" نفسه الذي شاهدناه في أعمال بعض من
شعراء وقصاصي وحتى بعض من روائيي التسعينيات.
الشعرية والانزياحات الدلالية، والتجوسق بين الأجناس الأدبية بدون خشية من
الارتباك، تمثل لدى الكاتب هنا، حالة رفض وجموح وممارسة للحرية في أقصى ما يمكن
أن يسمح به النص!..ثورة على الهياكل وعلى النمطية وتكسير لكل قواعد وحدود
جغرافيا وفضاءات الإملاءات النقدية! شاعريته وشعريته، توظفان كأجنحة للطيران
والتحليق للإفلات من رقابة "قوانين المرور" على الورق!..إنه لا يشعر أنه
"يشعر"! شعره ألوان.. وأطياف وأضواء ! إنه لا يكتب.. بل يرسم! يلون..! وحتى
ألوانه، تقع ما بين السحرية و"الوحشية"! إنه ينتقل من بعد إلى أبعاد!..الذاكرة
تلعب دورا..والهاجس المركزي واحد... متجدد..متفرع! "الولهي"..حالة حضور
لمعادلات في غاية التعقيد ! معادلة لأكثر من مجهولين! "لا أذكر شيئا..لكنني
وأنا أرى نفسي في المرآة..بالمستشفى، علمت أنهم ذبحوني..."(ص:34)! المعادلات
الزمنية، تفيد أكثر من بعد! التطابق يكاد يكون كليا..(نون...نون ألف!)..
عند بوكبة، الحروف لها معانيها...!لا يهم إن كانت المعاني مطروحة على قارعة
الطريق على رأي الجاحظ، وغير مهم ما يقوله النحويون ولا مدرسة البصرة ولا
الكوفة..عند بوكبة..إنه يوظف الحروف بطريقة "السحر"! يقرأ الحروف على أساس
حمولتها ورمزيتها! والسحر رموز وطلاسم!..إنه يرسم ويكتب! يعطي للحرف لونا وبعدا
ومعنى! (...بكيت وأنا أمسح السبورة لأخر مرة بأمر من المعلم..فتهيأ لي أن
الحروف حيوانات في طريقها إلى الزرائب..(...)..في رمشة عين استجبت لصوت المعلم
"امسح"..وكأنني ذبحت كل الزريبة"..) (ص: 18).
في كل "أجنحته"، يتعامل بوكبة مع السردية والشعرية والريشة والقلم والألوان
بشكل مطمئن!..إنه لا يشعر بتلك الثنائية أو التعددية في الواحدية التي عند
منفصمي الشخصية أو "الحشاشين" (من غير أتباع "الصباح")..إنه لا ينتقل من لون
إلى لون ومن جنس إلى آخر ..بل ينتقل في الكل بالكل! دون أن ينسى الناص أنه
شاعر، يسرد.. وبدون أن ينسى أنه سارد، يشعر!..وبدون أن ينسى أنه سارد وشاعر، لا
ينسى أنه يرسم!..وحتى وهو يرسم بالكلمات..فهو يكسر الأبعاد والمدارس! لا نرى
عند بوكبة في واقع الأمر سريالية محضة ولا انطباعية صرفة.. ولا تكعيبية ولا
رومنسية ولا واقعية..! فهي كلها! تختلط عنده.. وتتداخل في ألوانه النصية..
الألوان الحارة مع الباردة.. مع الأحرف.. وتخريجات "ابن جني" في " الخصائص"
:(...ليس لدي شرفة تسكن الغيم، مثل يديك.....ليس لديك جنة لا تغلق أبوابها، مثل
رأسي، ليس لرأسي قارب أعبر به محيط القصيدة، مثل همساتك، حيث النحو لا بصري ولا
كوفي، لكنه نحوك: أنا...) (ص: 196)
لغة الناص الأنيقة، لا يزعجها أن تزاحمها لغة "الهوامش السفلية"..والصور الفنية
عند الناص لا توجد كلها وحصريا في الفصحى..! إنه يلتقط الصور عن طريق
"المحمول"..الجوال..عن طريق "البلوتوت"..من كلام الشارع واللافتات..
والإعلام..(..مرة..نفحت لي أن أجلس مع الصاطلين/ إذ قلت أشوف اللغة حين تدوخ
كيف تصبح؟/ لأول مرة أصطل، ولأول مرة أدرك صبح اللغة الدائخة: كأنك تكتب لقارئ
لم يولد..)(ص: 142).
الزمن النصي.. مكسر، مفتت، مجزأ.. يرسمه الكاتب على شكل أشكال: نقط.. قواطع،
فواصل.. صمت أبيض.. تقطيع نصي.. عودة للسطر قبل نهاية الجملة أو
معناها...الانتقال من السردية والسردية الوصفية إلى الشعرية السردية..أو الشعر
النثري..الأرقام..عناوين لوحات..! الكتابة في حالة جنون منظم! في حالة قلق
وجودي! إنك تستطيع أن تحلل سيكولوجية الفرد من خلال سيكولوجية النص عند
بوكبة!..وسوسيولوجيا، يمكن أن تمثل "مجتمع بوكبة"، في "غرينكا بوكبة"!:إنها
الحرب..زمن الحرب..! وإنه البحث عن الحب في زمن اللآحب!..شعارات وإعلانات عن
"حالة الحب"..وحالة الحرب!: الحب والحرب عنصران متلازمان لا يدركهما أيا كان!..
والمثل الفرنسي يقول:"من يتحابون..يتعاركون"!..الحب حرب! والأنثى حالة
حرب..لأنها أصلا حالة حب!(..لن أضربك/ شتيمة الأنثى تفاحة الرجل/ تحريض إضافي
على الجسد..(....)..امرأة..تكرهك ثم تحبك، امرأة لا تنطفئ شهوتها، فذوات
الأنوثة الفائضة، يختبرن الذكور بالاحتقار..)(ص ص:102ـ103).
ملازمة الجد والجدة.. والأسئلة المغيبة.. وحضور المعاني في الحكم الشعبية
التراثية، تبدو عند الناص وليدة إرث هلالي ملحمي وبطولي..! الوشم والقصص
الشعبية والخرافات..والحكي والشعر.. والفروسية.. والهضاب.. تحضر بشكل لافت..
حتى أنه ينصب "لافتات" في هذا المعنى:(..كان جدك ينتف الحلفاء فتغدو حياة:
حصائر/قفافا/ مقالع/أطباقا/ برادع/أحلاسا/ سجادة....وبت أنت تأتيك الحلفاء
أوراقا، فتكتب: كان جدي ينتف الحلفاء!!.)(ص: 69).
في "جناح لقبر الفاتحة" (ص: 169)..الرواية عند بوكبة تختصر إلى 11 صفحة!..كل
عناصر الرواية التقليدية حاضرة..لكن بكثافة! التفصيل الممل غير مجد..والتصوير
الرمزي المكثف الشعري الفني.. يقلص أكداس الأوراق ! ومما فعلها مع بقية النصوص
، يمارس سلطته على هذا النص بالتطويع إلى حد إرباكه وإخضاعه لمنطق بوكبة:
استنطاق النص من الداخل لاستخراج المعاني إلى الخارج! إنه يتعامل مع الجنس
الأدبي ومع النص كما يتعامل الباحثون عن الذهب! مغامر، يراود الجبل والنهر..
يفتت الصخر بالماء ليحصل على "قيراط" من ذهب يصوغ به معناه في مبناه!..بوكبة،
مخرب للنصوص، مفتت للفصوص، "يتشيطن" مع النص ليحوله إلى "ملاك"..
تغريبة بني هلال، تدخل كسلوك كتابي عند الناص، حتى أن "جناح لوحل الآلهة"، يكاد
يكون نفحة من سيرة بني صعصعة..:"..قرأت في مخطوطة مهملة بمسجد القرية " تحذير
الأحفاد من أولياء الفساد وما سيشوب الفطرة من دغل في البلاد"، لسيدي الولهي بن
أبي شيبة الهلالي : ولم ينم تلك الليلة ولم تنم، حتى أذن الديك أخو الملاك بين
الخيط الأبيض والأسود من الفجر..فرأى فيما يرى النائم...."، إنه ليس تناصا ولكن
"تمثلا"..فنيا محضا!..انبعاث فني سردي حكواتي، سرعان ما يتلاشى كما تتلاشى صورة
الأحلام عند اليقظة.. وتعود لغة بوكبة إلى مشاكسة ومغازلة المفارقات والفوارق:
"..وخارت قواي، وأنا أرى كومة ورق محروق، ما عدا الحواشي العليا وقد تحلل الصمغ
على الكارلاج:...(...)..ورقة مثبتة على الحائط: لست أدري هل أقول لك أخي أم
الزنديق؟، ولست أدري هل أحرقك، مثلما أحرقت مخطوطة سيدك الولهي بن أبي شيبة
الهلالي، أو أزرع رصاصة في رأسك الضاج بالبدع والخرافات؟..."(ص: 181).
بوكبة، لا يؤرخ، ولا يقدم ولا يؤخر: إنه يصور من الداخل..ويركب من الخارج!.يمزق
ويلصق، يهدم لإعادة بناء نص على أنقاض النصوص الأخرى..بذاكرة.. ولغة.. أخرى..!
================
*د.
عمار يزلي
ـ جامعة وهران/الجزائر