الى
روح الأديب كــاميو
الصيف يناديني عند عتباته الحارقة، قال لي امسح بقايا الزمن عن
وجهك .. لا تهلع.
خذ من جمراتي لشتاءك البارد، لا تختبئ .. لا تهرب من حريقي فالمطهر
عندي وأنا قادر أن أنضج التين والعنب الأسود.
لكنك يا صيفي سرقت القدس من جفنيّ ميساء البشيتي، حرمتها لذة العبث
في فناء البيت .. أقلقتها بهموم لا تنتهي، وأضفيت عليها الرغبة
بالهرب من حبّات المطر. مارست جميع وسائل القهر في وجه رامي
العريدي حتّى كأنه بدا غير قادر على تمييز معالم وجهه في المرآة.
ماذا فعلت يا صيفي بحدائق خلود عبد الله النضرة، الفتاة التي تخشى
خدش الليل، وتسعى الى مسّ أوتار النهار لتنساب من بين يديها لحن
العودة.
ماذا قلت يا صيفي لجلاء الطيري .. تلاحقها القوافي حتّى الصعيد.
برغم حريق الجنوب والكمائن المتراكمة خلف مستنقعات الكوابيس
والأحلام .. لا تزال الفتاة تتجلّى وتفرض صوتها على كلّ من تجرّأ
قراءة العربية.
ثمّ يدخل كاميو تسبقه الكلمات. يرتبك أحياناً "لعل الليل لم يدرك
كنه اغنياته، أم لعل شدوه أزعج لقاء عصفورين اختليا في عشٍّ
منفرد؟". وتلاحقه الغربان من كلّ صوب بتهمة المواطنة العربية!.
هل أدخلت يا صيفي حواريك لتستمع الى هدير قصائد العشق القادمة من
وحي سمير طبيل. هذا الرجل لا يتوقف عن العشق حتى بعد الخطوبة. يبدو
أن فتاة أحلامه رمت به الى مهجع آلهة العشق السرمدية.
هل أنت على خلاف مع أبا فريد؟ إنه ما يزال يبحث عن "عكّاه". يعود
الى قلب الوطن حاملاً معه سلّة من القوافي. وينادي أبو فريد بملء
صوته أنا هنا. برغم الحواجز والقهر أنا هنا!.
تخطر حسناء المنبر بسنواتها الحادية والعشرين. لبنى لا تخشى
الابتلال برحيق الكلام. لبنى تتخطى حاجز الخوف وتعلن عشقها كلّما
أطل القمر عند أصل الخليقة. لبنى تلعن العتمة وتضيء الشموع لتحرق
سدائل السأم والضجر.
ولا تلبث لبنى أبو علوان هي الأخرى أن تدلق ما يعتمل في داخلها من
حريق، لن يهدأ لها بال حتى تجد حبيب القلب على حصان أبيض.
أين اختفيت يا خلف الشاهدي. نبقى نلهث خلف عبراتك وعباراتك. تبتلع
الحمير بضعة أقراص من الفياجرا ثمّ تهرب من فخّ الزوجية نحو الغريب
صاحب السيجارتين. يدخّن إحداها للرياح وتبقى الأخرى لجريح الفؤاد.
إنه خلف المميز دائماً. يرتقي السلالم ليسلّم قلبه الى المرأة التي
أعلن عليها الحرب قبل وهلة.
وتخطو ابنة القسّام بحيرة وألم. تكاد توزّع قلبها الكبير بين روّاد
"دنيا الوطن". وتعتذر عن خطأ لم ترتكبه. تحنّ الى الأم وترسم وجه
الوطن فوق وجهها النضر.
عمر أبو محمد لا يبعد عنّي سوى دقائق بعربة بطيئة، لكنه يدهشني
بفيض قلبه على صفحات المنبر. أخبرني الصيف بأن قلمك قادر على النزف
طويلا. لكنه يخشى عثرات الإبداع، وكأن العثرات ليست جزءاً من ذلك.
أدعوكم جميعاً الى مركبي، دعونا ننطلق دون إذن من حرس الحدود، ودون
علم نساءنا ورجالاتكم. خذوا في طريقكم بعض المتاع ودعوا أجنحتكم
تحدّد مسار رحلتنا. لتكن الى القطب الشمالي حيث الليل لا ينتهي.
ثمّ نطوف الى خطّ الاستواء. احضر معك خطيبتك يا سمير ولا تنسى عكّا
يا أبا فريد. ميساء يا عزيزتي هناك على قاربي مكان لبيانو وكمنجة
.. تعالي يا دينا لتقرصي ومريم سأم شتاءنا وطول ليالي صيفنا
القائض.
لعلنا نسينا كلمات فاطمة منزلجي المجنحّة، تتسارع نحو الوعي لتوقظ
فينا أحاسيساً منسية.
ولنترك الأشرعة بين يدي الفاضلة "ميسون كحيل" علّها تدلنا على
إحداثيات بعض الجزر الخفية.
الصيف وعدني بعنب أسمر، سمرة فلاّحي فلسطين والتي لوّحت الشمس
سواعدهم بعد أن لاحت حبّات العرق على جبينهم كنجوم تتساقط في ليالي
عرسٍ فلسطيني.
قاربي قادرٌ على خوض أعتى المحيطات. من يخشى الغثيان، من يخشى دوار
البحر فليذهب الى سريره وينام.
قاربي قادر على الصمود أمام أعتى العواصف .. كلّ نساء الدنيا ترمق
عيون الشعراء. كلّ فرسان العشق يرنون اليوم الى فتيات القارب.
لا تنسوا التين والعنب الأسمر، طعمه يحيي الموتى. يذوب في أصل
الذاكرة.
أبو الهول وخوفو ومحمد علي يباركون أشرعة قاربي.
القاهرة والأزهر وليالي الاسكندرية ووجوه رجالات الصعيد الملفوحة
بشمس الجنوب، يرفعون خناجرهم في وجه الريح إذا تجاوزت أحلامهم.
وغزّة رغم الجرح تتسامى فوق الحقد وسيل الدمّ .. ترسل قبلاتها
للخليل ونابلس والقدس ورام الله وجنين ولكل قرية ومدينة في الضفة.
تعالوا أحبتي .. لم يبقَ سوى القليل. قاربي على وشك الانطلاق نحو
المجهول. كلّ بقاع الدنيا بين أيدينا. من يجرؤ اليوم على وقف دفق
حبرنا؟. ربما حان الوقت لنتوقف عن طرح الأسئلة، قاربي يبحث عن
أجوبة دفينة في مخيلاتنا. أشرعتي ترفع عقيرتها وتنشد أسفار العودة
وتقرأ عشّاق الحقّ السلام
هاليلويا .. آمين.












