روايات خالدة
آل
أمبرسونز الرائعون
عرض

رشا المالح*
ما
لا يعرفه القراء الذين سمعوا باسم الروائي
التاريخي الأميركي نيوتن بوث تاركينغتون، أن كتبه كانت الأكثر رواجاً وشعبية
خلال عصره. ذلك الكاتب الذي فاز بجائزتي بوليتزر، الأولى عام 1918 عن روايته
«آل أمبرسونز الرائعون»، والثانية عام 1921 عن روايته «آليس أدمز».
حقق بوث الذي ولد في إنديانا بوليس في 29 يوليو عام 1869، نجاحا كبيرا منذ نشره
لروايته الأولى «النبلاء من إنديانا عام 1899، وأكثر ما اشتهر به روايتاه
«مغامرات بينرود» و«السابعة عشرة» ونشرتا عام 1916 حيث تفوقت شخصية بطلها
بينرود على الشخصية الروائية ذات الشعبية الواسعة توم سوير. وقد عزز شهرته بعد
ذلك بروايته «السيد بوكر» التي نشرت في العام التالي، وهي تجمع بين التاريخ
والرومانسية. كما حقق نجاحا موازيا على صعيد كتابة القصص القصيرة والمسرحيات
التي عرض عددا كبيرا منها على مسارح برودواي.
أمضى بوث حقبة من الزمن في أوروبا، عاد بعدها إلى إنديانا برواية جديدة بعنوان
«الإغواء» ونشرت عام 1913، ليكسب شريحة جديدة من القراء، إلا أن إبداعه تجلى في
تقديم أسلوب جديد في فن الرواية من خلال عمله «الهيجان» وذلك عام 1915 وهو
الجزء الأول من ثلاثيته «النمو». ويرصد في روايته هذه تغيرات الحياة في مقاطعة
من الولايات المتحدة خلال مرحلة التوسع الصناعي، أما في الجزء الثاني «آل
أمبرسونز الرائعون» فيبين تلاشي القيم مع تحول المنطقة إلى مدينة. أما روايته
«ميدلاندر» وهي الجزء الأخير من الثلاثية فتتحدث عن محدثي الثراء الذين يتحولون
إلى ضحايا لثروتهم.
وفي نهاية عام 1920، بدأ تاركينغتون يعاني من ضعف بصره، مما دفعه للخضوع لما
يزيد على اثنتي عشرة عملية ساعدته في النهاية على استعادة جزء من بصره، إلا أنه
أجبر على إملاء أعماله على شخص آخر. ودفعته سعادته بقدرته على رؤية الألوان
مجددا إلى تعلقه باقتناء اللوحات الفنية، وكتابة العديد من المقالات الفنية
نشرت في أهم المجلات الفنية المتخصصة.
وخلال السنوات الأخيرة من حياته، كانت إنديانا محور أعماله، وتوفي بعد مدة
قصيرة من مرضه في 19 مايو عام 1946. تميز هذا الكاتب بأسلوبه المشوق والساخر في
نقده للحياة الاجتماعية إلى جانب موهبته في رسم الشخصيات المقاربة من الواقعية
وإن أضاف لها لمساته من الرومانسية.
كان بوث في الحياة العادية ذا حضور قوي وشخصية آسرة تتميز بالتفاؤل مع الاحتفاظ
لنفسه بآرائه بشأن رؤيته للحياة.تعتبر روايته التاريخية «آل أمبرسونز الرائعون»
من أهم وأشهر أعماله التي خلدها التاريخ، وذلك يرجع إلى كونها تمثل ذروة إبداعه
إلى جانب الضجة الإعلامية الواسعة التي أثيرت حول الفيلم السينمائي الذي تبناها
والصعوبات التي واجهتها شركة الإنتاج آر كيه وخلافها مع مخرج الفيلم أورسون
ويلز الذي أبدع في إخراجه للعمل، والذي صرح بأنه أهم وأفضل فيلم قام بإخراجه.
وجدير بالذكر أن هذا الفيلم الذي عرض عام 1943 بات مرجعا أساسيا في تاريخ صناعة
السينما سواء بأسلوب الإخراج أو الإضاءة التي نجحت في تعزيز عمق النص والبعد
الإنساني للشخصيات وبات من أفضل عشرة أفلام في العالم. كما حولت هذه الرواية
أيضا إلى مسلسل تلفزيوني عام 2000 من إخراج ألفونسو أرو.
وتتزامن أحداث هذه الرواية التي تقع أحداثها في مدينة وسط أميركا الغربية، مع
التغيرات التي طرأت على ثلاثة أجيال لإحدى أكبر العائلات الأميركية
الأرستقراطية في مرحلة الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين. كما
ترصد التحولات الاجتماعية تدهور نفوذ العائلة ومركزها الاجتماعي خلال إعصار
الصناعة الذي اجتاح المنطقة،
حيث تتحول القوة لصالح الصناعيين والتجار الذين يستمدون نفوذهم من الصفقات
المالية والصناعات الحديثة حيث لم يبق للصلات العائلية والمعارف أي تأثير.
وشخصية بطل هذه الدراما التاريخية هو جورج أمبرسون مينافير، الشاب المدلل
المتغطرس، حفيد مؤسس ثروة العائلة.
ويمكن عرض الرواية من خلال فصلها إلى ثلاثة أجزاء ترصد بمجملها ثلاثين عاما. في
الجزء الأول الذي يبدأ بعام 189 يتم تأسيس الشخصيات وبداية الحبكة، التي تظهر
أفراد عائلة أمبرسونز في قمة ازدهارهم وتألقهم. أما في الجزء الثاني تبدأ
القتامة تهيمن على شخصياتها وتقلص نفوذهم وانحدار مكانتهم، وفي الجزء الثالث
يتم التركيز على مواجهة الواقع الأليم والندم الذي يعيشه من تبقى من أفراد
العائلة.
وجورج هو الابن الوحيد لزوجين خلت حياتهما من الحب وإن جمع بين الأم إيزابيل
أمبرسون مينافير وزوجها ويلبور مينافير الاحترام. ولكون جورج الوريث الوحيد فقد
كان محط اهتمام وحب جميع أفراد العائلة، بما في ذلك عمه جاك وخالته العانس فاني
وجده الميجور أمبرسون.
وقد أفسد حب العائلة جورج، وجعله في العشرينات من عمره شخصية تتميز بالأنانية
والتكبر والاستهتار، ليصبح رجلا لا يتوانى عن جرح أو أذية أي إنسان للحصول على
ما يريده. وفي أحد أيام الشتاء، وخلال حفل كبير، يصل إلى منزل أمبرسون زائران
جديدان من محدثي الثروة. وهما الوالد الأرمل أوجين والابنة لوسي مورغان ذات
الثمانية عشر ربيعا.
وأوجين كان الحب الحقيقي في حياة إيزابيل، وإن لم يرتكب أوجين خطأ يعود لطيش
الشباب، لكان الآن زوجا لإيزابيل منذ عشرين عاما مضت. ومنذ اللحظة الأولى يقع
جورج في غرام لوسي والخالة فاني بأوجين.
وكلما ازداد تعلقه بها ازداد نفوره من والدها، سيما بعد وفاة والده ويلبير.
وذلك يرجع إلى محاولات أوجين للتقرب من إيزابيل وعزمه على الزواج منها. هذا
الأمر يثير حنق جورج ويقرر تحطيم علاقتهما وإن كان على حساب صحة والدته. وخلال
تنفيذ خطته لا يدرك أن هذا الأمر يزيد من الهوة بينه وبين لوسي، التي تحبه وإن
كانت ترفض الاقتران به لكونه بلا عمل ولضيق أفق تفكيره.
يأخذ جورج والدته في رحلة عبر عدد من بلدان العالم ويصر على عدم العودة على
الرغم من تدهور حالة والدته الصحية مما يؤدي إلى وفاتها في الخارج. ومع عودته
بعد بضعة أشهر يكون أوجين قد ازداد ثراء من تجارته في السيارات ليجد جورج نفسه
بلا ثروة أو نفوذ، آخذين في الاعتبار رفض هذه العائلة لمواكبة التطور الصناعي
واستنزافها للثروة المتبقية من خلال حرصها على استمرار مظاهر البذخ والترف.
وهكذا يضطر جورج للعمل لأول مرة في حياته كأي إنسان عادي حيث حصل أخيرا على عمل
لقاء أجر لا يتجاوز خمسة عشر دولار فقط في الأسبوع إلى جانب إعالته لخالته التي
تعيش معه. ولأول مرة تجد تلك الخالة سعادة في حياتها التي تبدأ بإعداد الإفطار
لجورج وتنتهي بتقديم عشائه.
وعلى الرغم من التغير الذي يطرأ على شخصية جورج بصورة إيجابية وإحساسه
بالمسؤولية وبالآخرين، إلا أن أوجين يرفض بصورة قاطعة أية وساطة لمساعدته من
خلال تعيينه في أحد فروع شركاته، فالألم الذي سببه له جورج كأن أكبر من أي
وساطة أو غفران.
===============
رشا المالح
rmaleh57@hotmail.com