مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  آســـيـــا

مرعي أبازيد
القصة السورية

     أعيش في بلدي كالغريب كأنني أتصفح ألبوم صور غريب ، كل يوم أرى وجوها جديدة وأناسا جدد أقابلهم في طريق الحياة الطويل . أرمي الصفحات اليومية دون التمعن في النظر إلى بعضها من صور ، بائعون ، سائقون ، جيران ... وأناس لا يعنون لي شيئاً ، وجوه لا تعكس أي شيء ... من الصعب فهمها، ومن المحتمل أن أكون أنا أيضاً بالنسبة لهم غريب كأنني مجرد صورة بلا روح لا تعني لهم شيئاً.
لقاء عابر آخر ، تعارف ، صورة أخرى تدخل في البوم الحياة ، اسم مكتوب خلف صورة تعكس وجه صاحبتها ، - إنها آسيا !
آسيا – امرأة لا أستطيع أن أقول بأنها رائعة الجمال ، لكن عندما أراها تتولد لدي رغبة النظر إليها باستمرار – ببساطة إنها لغز ، أحجية ، سر ، حزن مختبئ في أعماق عينيها البندقيتين الكبيرتين . سأقص عليكم تاريخها محاولا بث الحياة في الشكل المتجمد في الصورة كي نستطيع ملاحظة أرواح الناس من خلال سلبية الصور ( مسودات الصور التي تجمعت في ألبوم الذاكرة ) .
قبل عدة سنوات أنهت آسيا دراستها المدرسية وحصلت على شهادة الثانوية العامة، وكانت فتاة شابة جذابة وكانت تظن أن كل حياتها الجميلة مازالت أمامها ، والمستقبل بانتظارها ، بالطبع حياة من المفترض أن تكون حافلة وغير معروفة إلى الآن ! الحب ، تنتظر هذا الحب كأنها تستمتع بلذة في انتظار عيد بينما تمضي أيامها بين الأعمال المنزلية والأعمال اليدوية حول المنزل بالإضافة إلى أحلامها الهادئة . لا .. إنها لم تنجذب يوماً إلى الراحة هروبا من هذه الأعمال ، لم تمل من حياتها الروتينية الشبيهة بفيلم سينمائي أسود وأبيض، يتقطع أحياناً، ممل بدون ألوان حية ، إنها كانت تعرف تماما بأن الأشياء الجميلة مازالت بانتظارها لاحقا ، كل شيء مازال في بدايته .
لقد فكر محمود شقيق آسيا بالزواج ، لكن لا يوجد فتاة بالمواصفات المطلوبة، فهو أظهر رغبته بذلك فقط وترك العائلة تنشغل باختيار المرشحة المناسبة صاحبة الحظ السعيد التي يجب أن تكون الفتاة المتعلمة، من عائلة غنية كي تناسب الوضع العالي الذي تشغله عائلة محمود في القرية، يجب أن لا تكون سقيمة هزيلة نحيلة الجسم، أما أهلها فيجب أن يكونوا من الأشراف والمهر يصرف بكامله من أجل شراء حاجاتها التي سوف تجلبها معها إلى بيتها الجديد وليس على احتياجات العائلة. هذه عملية عادية في هذه الأماكن فلذلك آسيا لم تتلوى أو تتذمر من هذه الطريقة في اختيار شريكة الحياة لأخيها. عرضت آسيا مازحة صديقاتها على أخيها محمود كي يختار شريكة حياته منهن. والد محمود أيضا قدم اقتراحاته بهذا الشأن لكن محمود رفض الجميع لأن لديه مواصفات إضافية ليست ضرورية بالنسبة للكثيرين لكن بالنسبة له فهذه المواصفات ضرورية جداً – وهي أن العروس يجب أن تكون رائعة الجمال ومذهلة. كان محمود محبا للشرف ( وإذا استبقت الأحداث أقول أنه بفضل هذه الصفة حصل على الكثير من النجاحات في حياته ) ، فلذلك يريد أن يتباهى بزوجة المستقبل كي يبقى رأسه مرفوع بين رجال القرية وأن لا يتكلم أحد عن اختياره. في النهاية أعجبته فتاة لكن تبين أنها مخطوبة لابن عمها الذي يمتلك الأحقية دائما أمام الخطاب الآخرين. فأعجبته أخرى لكن تبين أن لها أخت كبرى يجب أن تتزوج أولا وأن منظرها الخارجي ليس جذابا كما الصغرى وفي مثل هذه الحالات لا ترغب العائلات في كسر القواعد والخروج عن المألوف.
اقترب فصل الخريف فأصبح محمود عصبياً وأحياناً يفرغ جام غضبه على أخته ويثور لأتفه الأسباب . كانت آسيا تنتظر قدوم العروس إلى المنزل بفارغ الصبر معتقدة أن الزواج سيجعل من أخيها أسعد إنسان وهي تريد أن ترى أخيها سعيداً ومن ناحية أخرى تهدأ ثورته ويزول غضبه. تحتفظ آسيا بالكثير من الرقة واللطف والحب والدفء، تختزن هذه المشاعر في داخلها إلى حين يأتي نصيبها. بالطبع إن العروس سوف تجلب الفرح إلى بيتهم لأنها ستعطي كل مخزونها الداخلي الذي احتفظت به في منزل والدها لشريك حياتها محمود ، هكذا تفكر آسيا وبهذه الطريقة تفهم الحياة كما تربت في منزل والدها وحسب أعراف القرية بأن الفتاة لزوجها بعد خروجها من منزل أهلها.
في إحدى المرات ذهب محمود لزيارة أحد أقاربه الذي كان هو كبير العائلة وكان يحل كل المشاكل المتعلقة بالأرض الكبيرة المملوكة من قبل العائلة. إنه ذهب إلى العم الكبير كي يتفق معه من أجل الاشتراك في استئجار حصَّادة لأن موسم الحصاد قد اقترب كي يجنوا المحصول سوية. عندما تم الاتفاق على كل المسائل المتعلقة بموضوع الأرض والحصاد والاشتراك في استئجار الحصَّادة وضعوا أيديهما في أيدي بعض وشدت الأيادي، نادى العم الكبير ابنته كي تجلب القهوة حسب العادات احتفالاً بالاتفاق. حظرت مدينة " ابنة العم " جالبة القهوة المرَّة، عندما رآها محمود ارتبك وفقد توازنه بالنسبة للمكان والزمان وأصابه الذهول وأحس أنه في حلم يحلق في القبة السماوية وليس على الأرض وان ملاكاً سماوياً يقترب منه ببطء وليست فتاة من بني الأرض كان يعرفها في طفولته! انحنت مدينة أمامه مقدمة له فنجان القهوة فلم يستطع تحريك يده، فقط نظر إليها عبر ستارة مشدودة من الدموع المتجمدة في عينيه. تقلبت الأفكار في رأسه والدم يضرب في صدغيه: من هذه الفتاة؟ إنها مخلوق سماوي! هل حقيقة هذه مدينة مياسة القد كالمهرة الأصيلة، جميلة كالخرافة، لا أصدق أن هذه هي مدينة التي أهديتها صفعة قاسية على وجهها في أيام الطفولة! .
هربت مدينة منزعجة من شدة ارتباك محمود وذهوله. هنا نسي محمود القهوة وأصول أدب العائلات والضيافة وسأل بصوت مفاجئ: كم ؟ ما هو المهر الذي تريده يا عماه؟ فهم العم أنه لا وقت للاستعراض الآن فقال: تزوج إذا أردت فالمهر ليس مهم عندي، أنت شاب شهم ومعروف فأنا موافق، ولن أجد من هو أفضل منك لابنتي في قريتنا. لكن أنت تعرف يا محمود! شقيق مدينه! إنه مقعد وبدون أرجل وانه لن يستطيع إيجاد الزوجة الجيدة والمناسبة فلتكن أختك آسيا زوجة له إذاً. وفجأة أضاف العم بصوت حديدي: هذا هو شرطي الوحيد والحتمي! هذا هو مهر مدينه.
إن هذا التبادل المقترح لم يذهل محمود من حيث الجوهر، بما أن هذه الحالة مازالت موجودة ومعمول بها في الشرق، لكن استفاق القسم الآخر من قلبه حيث تجلس أخته آسيا اللطيفة النظيفة الحالمة التي طالما أحبها وأشفق عليها أحيانا لأنها تحمل على كاهلها جميع الأعباء المنزلية بدون تذمر، وطالما تحملت عصبيته وثورة غضبه ولطالما فرحت عندما عرفت أن أخوها يريد أن يتزوج ولم تتوان في البحث عن الفتاة التي تناسب أخيها.
عاد إلى البيت بسرعة قصوى محاولا تهدئة ضميره بأنه لا يستطيع العيش بدون مدينة ولا يوجد مانع من التضحية بحياة أخته الغالية آسيا في سبيل الحصول على مدينة.
كان الحديث مع الوالدين قصيرا جداً، قال الوالد : أولاً وأخيراً ، اليوم أو غداً فإن آسيا ستتزوج ! وما هو الفرق من سيكون العريس؟ أنت يا محمود ابني الوحيد وستحصل على كل شيء تريده! ولا أستطيع أن أرفض لك طلباً في خاطرك، أما الوالدة فبكت بصمت، بدون صوت، لم تجرؤ على العويل الذي يسكن قلبها أمام الزوج القاسي من جهة والابن الوحيد الذي هو عماد الأسرة ومن يتحمل أعباء الحياة ويقوم بكل الأعمال في أرض العائلة الكبيرة.
في المساء اقترح محمود على أخته آسيا التي تم رسم مصيرها المحتوم والذي قد تقرر سلفاً بأن ترافقه بجولة في سيارته. كانت آسيا ترتدي ثوباً بسيطاً لكن رغبتها في الاستمتاع عبر الأيام المتشابهة المملة كبيرة، فقفزت من فرحتها إلى المقعد الأمامي للسيارة بشغف. انطلق محمود بسرعة مذهلة بحيث جعل السيارة تتأرجح يمنة ويسرة وتسير بشكل غير متزن. مع انطلاق السيارة شاهدت آسيا والدتها عند مدخل المنزل تلوح بيديها بحزن، نظرت إلى أخيها ففهمت كل شيء، لم تعرف لمن اختاروها لكنها عرفت أن الضحية تساق إلى المذبح. إنها ولدت وترعرعت في الشرق، ومن هذه الحالات الكثير، لم تنبس ببنت شفه ولم تسأل ولم تبك ولم تحتج. لكن كل شيء في داخلها تحجر والقلب الحجري رمته مباشرة على الطريق الحجري المؤدي إلى المصيدة محدثاً ألماً في داخلها. على أية حال، بعد وقت بسيط بدأ الألم يزول وبدأت تفقد الإحساس بالألم لأن الحجر لا يحس بالألم.
التبادل تم بشكل اعتيادي، " صفقة "، محمود يهيم بعشقه لمدينة حتى يومنا هذا! لديهم ثلاثة أبناء يعيشون عيشة رغيدة وغنية وسعيدة. آسيا ضيعت أحلامها وحتى شعورها بالأحلام لكنها لم تصبح بشعة في يوم ما، حافظت على جمالها طيلة هذه الفترة على الرغم من أنها أنجبت ستة أبناء، تهتم بزوجها بكل ما تستطيع كزوجة شرقية مطيعة، لكن كل حبها وحنانها تهديه دوماً لأطفالها كي تربيهم على المحبة، تعطيهم الثقة بولعها وعشقها لهم ولا تريد أن ينخدعوا بهذا الحب والحنان فكل شيء كان حقيقياً.
إنها تعرف ماذا تعني الثقة المخدوعة! وكيف الحياة صعبة في هذا الخداع الذي تعيشه. محمود لم يسمع أبداً أي كلمة عتاب موجهة له من آسيا، لكن لماذا في نظراته ألم كبير ومعاناة عندما ينظر إلى أخته الوحيدة أثناء زياراته الدائمة لها؟.