شعر عيسى بطارسه
ibatarse@sbcglobal.net
--------------
من هُنا،
يَبتَدِئُ الحُزنُ .. اسْتَعِدّا،
أنتَ والقلبُ الذي للآنَ لم تَخدِشْ،
لهُ عينَاً سِياطُ الدّمعِ،
أو تُدمي أكفُّ القَهرِ خَدّا!
جِئتُما فوقَ الضّبابِ البِكرِ صُبحاً،
لم يُدانِ المَركِبُ النّاصِعُ جَزراً،
أويَصُدِّ المَوكبُ القَادِمُ مدّا!
يا غَريبَ الدّارِ،
ما لِلدّارِ تنأى في تَلافِيفَ من الوَهمِ؟
وما للَّيلِ من حُزنٍ غريبِ الطَّعمِ قُدّا؟
ولِماذا ناطِحاتُ العُمرِ تنهَدُّ؟
وتُعيي خَطوَكَ المَكلومَ صَدّا؟
جامِحاتُ الحُزنِ،
هذا الحُزنُ،
من سوّاهُ بَرقاً،
في حَناياكَ،
ومنْ سَوّاهُ رَعدَا؟
* * *
غَصَّ بالمَوتِ،
بِبَحرِ الدّمِ في أرضِ العِراقْ،
آخِرُ الأحلامِ،
مَذعُوراً أفاقْ!
كتَمَتْ أنفَاسَهُ رَائحةُ الغدرِ بِعُنفٍ لا يُطاقْ.
فَتَحتْ عينيهِ نارُ المَحرَقه.
أيقَظتْهُ المطرَقَهْ!
تَقرَعُ الأحلامَ،
تهوي فوقَها هَوْيَ الرّزايا المُطبِقَه!
وَرآنا نَتَحدّى كلَّ عارْ،
من بُيُوتٍ جاعَ فيهَا الجُوعُ واسْوَدَّ النّهارْ.
لِطُقُوسٍ وَثنيّهْ،
يُظهِرُ الطّاعةَ للأصْنامِ فِيها
قتلُ مليُونِ صَبيٍّ وصَبيّهْ!
أيقَظتْهُ المطرَقه،
كانَ مَرعُوباً من النَّزفِ،
فألقى نَفسَهُ مَيْتاً إلى قاعِ الفُراتْ.
هَرَعتْ من هِيروشِيما الطّائِراتْ،
قَصَفتْ دِجلةَ،
لمّا كانتِ الدِّجلةُ ثَوباً نَرتَديهِ.
قَصَفتْ بَغدادَ لما كانتِ البَغدادُ
حُلماً يانِعاً،
يُشرِقُ فينا مثلمَا نُشرقُ فيهِ!
كَسَرتْ جِسراً من العِشقِ،
بِهِ بَغدادُ تلقى أذرُعَ الحُلمِ
..
فُغُصنا في الفُراتْ!
دَخلوا فِينا،
أتُونا من قُبُورٍ وُئدَتْ فيها جُيُوشٌ،
لِتتارٍلم تَمُتْ، كي يُشعِلوا في دجلةَ النّارَ
..
وكنّا فوقَ رَملِ الشَّطِّ،
نبني الرّملَ والماءَ قُصُوراً،
ومنَ الوَهمِ نُقيمُ النّاطِحاتْ!
دَخَلوا فينَا مِراراً،
فَفَقَدنا عَدَّ موتَانا،
وأيّاً عاشَ،
أيّاً من تَتَارِ القَبرِ مَاتْ!
فاحرَصي أن تَدفِنِينَا،
الحيَّ قبلَ المَيْتِ،
علَّ الموتَ يُحيي قادِماً
بَعدُ على الدّربِ إلينا،
يا قُبُوراً سَئمَتْ منّا،
وألقَتنَا كما تُلقى الفُتاتْ!
* * *
(يَخلِقُ
الحيَّ منَ المَيتِ
صِغاراً كبرُوا في الهَمِّ،
في الحُزنِ يكونُ اليَومُ عاماً،
ويَكونُ العَامُ عُمرَا.
وعلى القَهرِ تَذوبُ الحَلَمَاتْ،
ويَنِزُّ الصّخرُ ناراً في حَليبِ المُرضِعاتْ،
وتَصيرُ الأرضُ أمَّ الأمَّهاتْ!
جَلسُوا عندَ عُيُونِ الأفقِ دَهرا،
انتَظروا عودَتنا من هَجعةِ الأمواتِ عُمرَا!
سَخنُوا بين خُيُوطِ الشّمسِ،
غابُوا في ثَنايا الأرضِ،
فانشَقَّتْ كفَرجِ الأمِّ عنهُمْ.
صَعَدوا مثل غُصُونِ الحَورِ نحوَ الأزرَقِ،
الممتَدِّ في الأزرَقِ،
أيْدٍ نَبَتَتْ فِيها الحِجارَهْ!
صَعَدوا مثل بُخارِ المَجدِ فينَا،
طَردُوا القَهرَ الدّفينَا.
غَلغَلوا أيديهُمُ في صَمتِنا،
فاستَيْقَظَ السّيفُ من النّومِ الطّويلِ،
وَعَلتْ ضَجَّتُهُمْ،
فاستَيقَظتْ حارَتُنا للمرَّةِ الأولى،
على قرعِ الصّهيلِ!
وعلى الخَيلِ التي قد وَجَدتْ فُرسَانهَا،
من بَعدِ طُولِ،
وعلى الفُرسَانِ في حَجمِ وُرُودِ الصّبحِ،
يَعلونَ ظُهُورَ المُستَحِيلِ!
فَصُغُرْنا كُلُّنا،
في ظلِّ كفٍّ نبَتَتْ فيها الحِجارَهْ!
من مُلوكٍ كاذِبَه!
لِجُيوشٍ شاحِبَه!
لِشُعُوبِ غائِبَه!
(يُخرجُ
الحيَّ منَ المَيْتِ )
اقُتُلينا في طَريقٍ بينَ أيدٍ
خَجِلتْ منها الطّهارَهْ!
وَرؤُوسٍ شَربَتْ من دَمِنا باسْمِ الحَضارَهْ!
وَسَعادينَ تُداوي المُرَّ فِينَا بالمَرارَهْ!
طهِّرينَا يا حِجارَهْ،
طَهِّرينا يا حِجارَهْ!